إنني الآن أشاطر"ألبير كامو"أحاسيسه حين وصف الجزائر الحارّة في (الغريب) فقال أنها (بلدٌ تقتل فيها الشمس الأسئلة) .. فسخونة رأسي لاتسمح بالتفكير إلاّ بعودة سريعة للاطمئنان على أمي، والتقاط الأنفاس قبل خوض معركة جديدة: (أربع ساعات ونصف من شرح الدروس لثلاثين تلميذًا) .
وحتى الآن.. يبدو لا علاقة لكل ماحدث في حالة النّعاس التي باغتتني.
فرغم مسيرة صباحية شاقة بددت نصف وقتي، وصلت في الحادية عشرة والنصف فوجدت أمي على خير حال، وقد بارحت الفراش مما شجّعني على أخذ حمّام سريع أنساني مشقّتي وآلام ساقيَّ، وردَّ إليَّ الحياة.
ودخلت الصف بذهن يقظ، وغبطة قلّما أحسّها تأتّت عن كفاح دام من الفجر إلى الظهر.
مضت الحصة الأولى على خير. وحتى بداية الحصة الثانية... يبدو لاعلاقة للجهود التي بذلتها في شرح بحث (النسبة والتناسب) في حالة النّعاس التي باغتتني.
معذرةً، سادتي الأكارم... فسأكفّ قليلًا عن الكتابة إليكم لأواصل الكلام... ربما مع نفسي.
أذكر تمامًا رغم صدمتي بما جرى، أنها كانت حصة (أخلاق وتهذيب) وكان الدرس:"يوم الحساب".. فشرعت أوضّح معنى (أن يظلّ الله العباد في ظلّه يوم لاظلّ إلاّ ظلّه) ففي هذا اليوم نميّز فئتين من الناس: من خفّت موازينه، ومن ثقلت موازينه، وفيما كنت أتحدث وعيون الأطفال مشدودة إليّ حتى لتكاد تنفر من محاجرها، إذ برأسي يثقل شيئًا فشيئًا تحت سلطان خدر لعين زحف إليه من حيث لا أدري مما أرغمني على الجلوس والتملّص من الكلام بصرف انتباه الأولاد إلى قراءة الدرس بالتناوب، واستخلاص العبرة منه وسط دهشة وخيبة.
استندت بمرفقيّ إلى الطاولة. حاولت شقّ أجفاني والتظاهر بمراقبة مايجري، لكنّ نعاسًا طاغيًا أذبل عينيّ، فأمال رأسي، فأحنى ظهري، وأخيرًا لامست جبهتي سطح الطاولة، واختفى وجهي بين ذراعيّ.
أعتقد أنّ همس التلاميذ تحوّل إلى صياح... وكان عليّ رفع رأسي لنهرهم وإعادة الأمور إلى مجراها، لكن منعني قرب حلول الفرصة، وطغيان نعاسي وأعتقد أنّ يدًا غضّةً أو أكثر ربّتت برفق على ظهري أو هزّت كتفي...، بل أظن أنّ أحدًا نفحَ أنفاسه في أذني ليسرَّ لي بأمر... أو أنني كنتُ أحلم.
لكنَّ ما أيقنتُ منه حين أفقتُ من نومي على قرع الجرس وماصاحبهُ من ضوضاء... وجود أشخاص ثلاثة داخل حجرة الدرس برفقة المدير. وحين أجلفتُ ووقفتُ احترامًا، كان الوافدون قد مسحوني من فوق لتحت بعيون محمرّة وغادروا كالبرق.