فهرس الكتاب
البحث العلمي أساس من أسس النهضة, ولا حضارة ترتجى للأمة الإسلامية إن هي خلت من الاهتمام بالبحث العلمي, وهو بضاعة المسلمين التي احتضنتها أوربا إبان نهضتها الحضارية, والمسلمون هم أرباب البحث العلمي, وهم من وضع أسسه, وبناءه, وهم من مهد له أدواته, وهم أول من عني بالتفرغ العلمي, ومن ذلك أن الخليفة العباسي المأمون أمر القراء (يحيى بن زياد الديلمي ت 207 هـ / 822 م) , وهو إمام الكوفيين وأعلمهم بالنحو واللغة والآداب,"أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب, وأمر أن يفرد في حجرة من حجر الدار, ووكل به جواري وخدما يقمن بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه, ولا تنشرف نفسه إلى شيء حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلاة, وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمثقفين, فكان يملي والوراقون يكتبون حتى صنف الحدود في سنتين."
ولقد عني المأمون البطائحي, الوزير الفاطمي, عناية خاصة بعلوم الطب, فعندما وصل الطبيب أبو جعفر يوسف بن حسداي الأندلسي نزل ضيفا على الدولة, وجعل له يومين في الجمعة يشتغل فيهما ويتوافر في بقية الأسبوع على التصنيف.
ومن الملاحظ أنه كان يقدم للعالم, خلال تفرغه للبحث العلمي, حاجته من ورق وأدوات كتابة, ونساخ, وخدم, وكل ما يوف له من وسائل الراحة لممارسة عمله في التصنيف والبحث.
وقضى ياقوت الجغرافي ثلاث سنوات في مكتبتي مرور وخوارزم يجمع معلومات لقاموسه الجغرافي.
وقد كانت المكتبات الشرعية والعلمية تزود العلماء بخبرة من سبقهم, ولم تكن المكتبات تعرف الفصل بين كتب الشريعة, وكتب سائر العلوم, وكانت المكتبات متعددة الأغراض البحثية, لا تقتصر على خزائن الكتب فحسب, بل تخدم العلماء, وطلبة العلم وهذا بخاصة في المكتبات العامة, فقد كانت على نوعين: عامة وخاصة:.
أما العامة: فقد كن ينشئها الخلفاء, والأمراء, والعلماء, والأغنياء, كانت تشيد لها أبنية خاصة, وأحيانا كانت تلحق بالمساجد والمدارس الكبرى.