فهرس الكتاب
تلك الحضارة الإسلامية الدينية, هي التي طورت ما ورثته من علوم وابتكرت علوما, ومخترعات مازالت حضارة اليوم تعترف, وتدين بكثير من العلوم, والابتكارات, والإبداع لها. ولسنا بصدد ذكر تفاصيل ذلك, فهذا ما يحتاج إلى كتاب متخصص في هذا الشأن, ويكفينا هنا الإشارة إلى الإشادات التاريخية بدور المسلمين في العلوم, ونماذج من جهودهم العلمية. وخاصة العلوم الأساسية الأربعة التي كان للمسلمين تميز ملحوظ, وآثار علمية هامة فيها, وهي علم الطب والفلك, والرياضيات, والكيمياء, وإنما تميز المسلمون بهذه العلوم لاعتمادهم على التجربة في تقرير القضايا.
وهذا ما ينبغي أن تعترف مدنية أوربا به للمسلمين اليوم, وهذه العلوم الإسلامية المقررة بالوسائل التجريبية هي التي أخرجت أوربا من جهالاتها وظلمتها, إلى ميادين العلم, والبحث, والنور, يقول غوستاف لوبون: يتراءى لبعض الفضلاء أن من العار أن تكون أوربة مدينة في خروجها من التوحش للعرب الكافرين, ولكن من الصعب أن يحجب مثل هذا العار الوهمي وجه الحقائق ثم يضيف قائلا: يقول الأوروبيون إن بيكن أول من قال بالتجربة والترصد اللذين هما ركن المباحث العلمية الحديثة, ولكن الإنصاف يقضي بأن نعترف بأن الفضل في ذلك للعرب وحدهم, وقد أبدى هذا الرأي, مع ذلك, جميع العلماء الذين درسوا مؤلفات العرب, ولا سيما العالم الشهير همبولد, فبعد أن ذكر أن ما قام على التجربة والترصد هو أفضل ما في العلوم قال:"إن العرب ارتقوا في علومهم إلى هذه الدرجة التي كان يجهلها القدماء".
فمنهاج العرب قائم على التجربة والترصد, وأما درس الكتب والاقتصار على تكرار رأي المعلم فمما سارت عليه أوربة في القرون الوسطى, والفرق بين النهجين واضح, ولا يمكن تقدير قيمة العرب العلمية إلا بإظهار هذا الفرق.