فهرس الكتاب
أراد رسول الله ' تعويدنا على المثابرة والدأب على العمل الذي نبدأ به ، وأن يكون نفسنا طويلًا فلا ننقطع لأي عارض ، ولاشك أن هذا الخلق وهذه العادة من أكبر أسباب نجاح الأمم والأفراد ، لقد افتقدنا هذا الخلق في الأزمنة المتأخرة فما أن نبدأ بعمل أو مشروع ما حتى ننقطع ، وما أن نسير خطوات حتى نمل ونتعب ، وكم من مشاريع علمية أو اقتصادية بُدئ بها ثم انقطعت ، سواء كانت مشاريع فردية أم جماعية ، وبعد الانقطاع تتغير الوجهة ونبدأ من جديد . والسبب في هذا: هو أن الطبع ملول ، ولم نتعلم بعد (فن التعاون) فيما بيننا ونريد قطف الثمرة بسرعة ، ولو تصفحنا التاريخ لوجدنا أن كبار علمائنا لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بالمثابرة والمصابرة ، وكم عانى علماء الحديث من الترحال ومشقة الأسفار ، وغيرهم من العلماء ما تسنموا هذه المنازل إلا بعد أن جثوا على الركب سنين ، وكان أحدهم يسهر أكثر الليل يفكر بالمسألة ويقلب فيها وجهات النظر .
وإذا جاز لنا التعلم من الأعداء ، فإن هذا الخُلق موجود عند الغربيين ، يستقر المبشر بالنصرانية في قرية منقطعة في غابات آسيا أو أدغال أفريقيا سنوات وهو يدعو إلى باطله ، وتكون النتائج غالبًا ضئيلة فلا يخرج إلا بالآحاد الذين تنصَّروا ، ومع ذلك لا يسأم ولا يمل ، وقد يتعجب المرء إذا علم أن بعض الصحف والمجلات الغربية لا تزال تصدر من مائة سنة أو أكثر ، وبالاسم نفسه دون انقطاع ، وبعض مؤسساتهم عمرها مئات السنين لم تتغير ، حتى في شكلها ، فمقر رئاسة الوزراء في بريطانيا (10 داوننغ ستريت) عمره (250) سنة ولم يفكروا بالانتقال إلى مكان أوسع وأرحب ، وأما مشاريعهم العلمية الطويلة الأمد فيعرفها كل طالب علم كالمعجم المفهرس لألفاظ الحديث ، وكتابة المستشرق (دوزي) لتاريخ المسلمين في الأندلس استغرقت عشرين سنة ، ومشروع تاريخ التراث العربي .