فهرس الكتاب
أيها الأخ الكريم، يامن جعل رضى ربه أسمى هدف، والفوز بالجنة أكرم غاية، والنّجاة من النّارأعظم مرغوب ممتثلا بذلك أمر ربك إذ يقول ـ جل شأنه ـ: {وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ والإنسَ إلاليعبدُونَ} .
أخي المسلم، إن في جسدك عضوا صغير الحجم، بقدر مضغة الطعام، جليل القدر هو في جسدك كالملك المتصرف في الجنود، التي تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما يشاء، فكلها تحت سيطرته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزّيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، فإن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله، فهل عرفت هذا العضو الخطير إنه القلب ذلك الملك المتربع بين حنايا صدرك!.
إذا عرفت منزلة القلب، وأن صلاحه صلاح لسائر جسدك، وفلاح لك في دنياك وآخرتك، وسعادة دائمة في الدارين، والسّعادة مطلب عزيز. وأن فساده فساد لسائر جسدك، وخراب لدنيك وآخرتك، وشقاء وعيشة نكدة في الدارين.
يقول سبحانه وتعالى: {أوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لهُ نُورًا يمشي بِهِ في النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيسَ بخَارِجٍ منهَا} [الأنعام:122] ففي هذه الآية تصوير عجيب لحال القلب الصّالح الحي، وحال القلب المظلم.
"وإن هذه العقيدة تنشيء في القلب حياة بعد الموت، وتطلق فيه نورا بعد الظلمات حياة يعيد بها تذوق كل شيء، وتصور كل شيء، وتقدير كل شيء بحس آخر لم يكن يعرفه قبل هذه الحياة ... هذه التجربة لاتنقلها الألفاظ، يعرفها فقط من ذاقها، والعبارة القرآنية هي أقوى عبارة تحمل حقيقة هذه التجربة " (1)
فالقلب الحي إذا عرضت عليه القبائح نفرمنها بطبعه وأبغضها، ولم يلتفت إليها بخلاف القلب الميت، فإنه لايفرق بين الحسن والقبيح، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه (( هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر ) ) (2)