الصفحة 130 من 228

يخاطب تعالى ، جميع الناس ، ويخبرهم بحالهم ووصفهم ، وأنهم فقراء إلى الله من جميع الوجوه: فقراء في إيجادهم ، فلولا إيجاده إياهم ، لم يوجدوا . فقراء في إعدادهم ، بالقوى ، والأعضاء ، والجوارح ، التي لولا إعداده إياهم بها ، لما استعدوا لأي عمل كان . فقراء في إمدادهم ، بالأقوات ،والأرزاق والنعم ،الظاهرة والباطنة . فلولا فضله وإحسانه ، وتيسيره الأمور ، لما حصل لهم من الرزق والنعم ، شيء . فقراء في صرف النقم عنهم ، ودفع المكاره ، وإزالة الكروب والشدائد . فلولا دفعه عنهم ، وتفريجه لكرباتهم ، وإزالته لعسرهم ، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد . فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية ، وأجناس التدبير . فقراء إليه ، في تألههم له وحبهم له ، وتعبدهم ، وإخلاص العبادة له تعالى . فلو لم يوفقهم لذلك ، لهلكوا ، وفسدت أرواحهم ، وقلوبهم ، وأحوالهم . فقراء إليه ، في تعليمهم ما لا يعلمون ، وعملهم بما يصلهم . فلولا تعليمه ، لم يتعلموا ، ولولا توفيقه ، لم يصلحوا . فهم فقراء بالذات إليه ، بكل معنى ، وبكل اعتبار ، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر ، أم لم يشعروا . ولكن الموفق منهم ، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه ، ويتضرع له ، ويسأله أن لا يلكه إلى نفسه طرفة عين ، وأن يعينه على جميع أموره ، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت ، فهذا حري بالإعانة التامة من ربه وإلهه ، الذي هو أرحم به من الوالدة بوالدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت