الصفحة 44 من 228

يمتن تعالى ، على سائر الناس ، بما أوصل إليهم ، من البراهين القاطعة ، والأنوار الساطعة ، ويقيم عليهم الحجة ، ويوضح لهم المحجة فقال:"يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم"أي: حجج قاطعة على الحق ، تبينه وتوضحه ، وتبين ضده . وهذا يشمل الأدلة العقلية والنقلية ، والآيات الأفقية والنفسية"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". وفي قوله:"من ربكم"ما يدل على شرف هذا البرهان وعظمته ، حيث كان من ربكم ، الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية . فمن تربيته لكم ، التي يحمد عليها ويشكر ، أن أوصل إليكم البينات ، ليهديكم بها إلى الصراط المستقيم ، والوصول إلى جنات النعيم ."وأنزلنا إليكم نورا مبينا"وهو هذا القرآن العظيم ، الذي قد اشتمل على علوم الأولين والآخرين ، والأخبار الصادقة النافعة ، والأمر بكل عدل وإحسان وخير ، والنهي عن كل ظلم وشر . فالناس في ظلمة إن لم يستضيئوا بأنواره ، وفي شقاء عظيم إن لم يقتبسوا من خيره . ولكن انقسم الناس ـ حسب الإيمان بالقرآن ، والانتفاع به ـ قسمين ."فأما الذين آمنوا بالله"أي: اعترفوا بوجوده ، واتصافه بكل وصف كامل ، وتنزيهه من كل نقص وعيب ."واعتصموا به"أي: لجأوا إلى الله ، واعتمدوا عليه ، وتبرأوا من حولهم وقوتهم ، واستعانوا بربهم ."فسيدخلهم في رحمة منه وفضل"أي: فسيتغمدهم بالرحمة الخاصة ، فيوفقهم للخيرات ، ويجزل لهم المثوبات ، ويدفع عنهم البليات ."ويهديهم إليه صراطا مستقيما"أي: يوفقهم للعلم والعمل ومعرفة الحق والعمل به . أي: ومن لم يؤمن بالله ويعتصم به ، ويتمسك بكتابه ، منعهم من رحمته ، وحرمهم من فضله ،وخلى بينهم وبين أنفسهم ، فلم يهتدوا ،بل ضلوا ضلالا مبينا ،عقوبة لهم على تركهم الإيمان ، فحصلت لهم الخيبة والحرمان . نسأله تعالى ، العفو ، والعافية ، والمعافاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت