الصفحة 104 من 114

وَالَّذِينَ آَمَنُوا"بما أنزل الله على رسله عموما، وعلى محمد - صلى الله عليه وسلم - خصوصا،"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"بأن قاموا بما عليهم من حقوق الله، وحقوق العباد الواجبة والمستحبة"كَفَّرَ"الله"عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ"صغارها وكبارها، وإذا كفرت سيئاتهم، نجوا من عذاب الدنيا والآخرة."وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ"، أي: أصلح دينهم ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم، بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم، والسبب في ذلك أنهم:"اتَّبَعُوا الْحَقَّ"الذي هو الصدق واليقين، وما اشتمل عليه هذا القرآن العظيم الصادر"مِنْ رَبِّهِمْ"الذي رباهم بنعمته، ودبرهم بلطفه فرباهم تعالى بالحق، فاتبعوه، فصلحت أمورهم. فلما كانت الغاية المقصودة لهم، متعلقة بالحق المنسوب إلى الله الباقي، الحق المبين، كانت الوسيلة صالحة باقية، باقيا ثوابها."كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ"حيث بين لهم تعالى أهل الخير وأهل الشر، وذكر لكل منهم صفة يعرفون بها ويتميزون (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 42) ..."

4 - (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح 29)

قال السعدي رحمه الله:

يخبر تعالى عن نبيه"محمد رسول الله"- صلى الله عليه وسلم -"والذين معه"من أصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال. وأنهم"أشداء على الكفار"، أي: جادون ومجتهدون في نصرتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يرى الكفار منهم إلا الغلظة والشدة. فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون."رحماء بينهم"، أي: متحابون، متراحمون، متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، هذه معاملتهم مع الخلق. وأما معاملتهم مع الخالق فإنك"تراهم ركعا سجدا"، أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها: الركوع والسجود. ..."يبتغون"بتلك العبادة"فضلا من الله ورضوانا"، أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه. ..."سيماهم في وجوههم من أثر السجود"، أي: قد أثرت العبادة ـ من كثرتها وحسنها ـ في وجوههم، حتى استنارت. لما استنارت بالصلاة بواطنهم، استنارت بالجلال، ظواهرهم."ذلك"المذكور"مثلهم في التوراة"، أي: هذا وصفهم، الذي وصفهم الله به، مذكور بالتوراة هكذا."ومثلهم في الإنجيل"بوصف آخر، وأنهم في كمالهم وتعاونهم"كزرع أخرج شطأه فآزره"، أي: أخرج أفرخه فوازرته فراخه، في الثبات والاستواء."فاستغلظ"ذلك الزرع، أي: قوي وغلظ"فاستوى"، أي: قوي واستقام"على سوقه"، جمع ساق، أي: أصوله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت