فهرس الكتاب
والمراد أنه قوي وقام على قضبانه."يعجب الزراع"من كماله واستوائه، وحسنه واعتداله. كذلك الصحابة رضي الله عنهم، هم كالزرع، في نفعهم للخلق، واحتياج الناس إليهم، فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع، وسوقه. وكون الصغير والمتأخر إسلامه، قد لحق الكبير السابق، ووازره، وعاونه على ما هو عليه، من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شطأه، فآزره فاستغلظ. ولهذا قال:"ليغيظ بهم الكفار"حين يرون اجتماعهم، وشدتهم على أعداء دينهم، وحين يتصادمون معهم في معارك النزال، ومعامع القتال"وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما"، فالصحابة رضي الله عنهم، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة، التي من لوازمها، وقاية شرور الدنيا والآخرة، والأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
وقال البغوي رحمه الله:
* قوله تعالى:"محمد رسول الله"، تم الكلام ها هنا، قاله ابن عباس، شهد له بالرسالة، ثم قال مبتدئًا:"والذين معه"، فالواو فيه للاستئناف، أي: والذين معه من المؤمنين،"أشداء على الكفار"، غلاظ عليهم كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة،"رحماء بينهم"، متعاطفون متوادون بعضهم لبعض، كالولد مع الوالد، كما قال:" (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (المائدة: 54) -"تراهم ركعًا سجدًا"، أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها،"يبتغون فضلًا من الله"، أن يدخلهم الجنة،"ورضوانًا"، أن يرضى عنهم،"سيماهم"، أي علامتهم،"في وجوههم من أثر السجود"، اختلفوا في هذه السيما: فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا، وهو رواية عطية العوفي عن ابن عباس، قال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر. وقال آخرون: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. وهو رواية الوالبي عن ابن عباس قال: ليس بالذي ترون ولكنه سيماء الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. وهو قول مجاهد، والمعنى: أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به. وقال الضحاك: هو صفرة الوجه من السهر. وقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. قال عكرمة و سعيد بن جبير: هو أثر التراب على الجباه. قال أبو العالية: إنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب. وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس."ذلك"، الذي ذكرت،"مثلهم"، صفتهم"في التوراة"، ها هنا تم الكلام، .. ثم ذكر نعتهم في الإنجيل، فقال:"ومثلهم"، صفتهم،"في الإنجيل كزرع أخرج شطأه"، قرأ ابن كثير، وابن عامر: (شطأه) بفتح الطاء، وقرأ الآخرون بسكونها، وهما لغتان كالنهر والنهر، وأراد أفراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطئ، إذا أفرخ، قال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج بعده فهو شطؤه. وقال السدي: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى. قوله:"فآزره"، قرأ ابن عامر: (فأزره) بالقصر والباقون بالمد، أي: قواه وأعانه وشد أزره،"فاستغلظ"، غلظ ذلك الزرع،"فاستوى"، أي تم وتلاحق نباته"