الصفحة 113 من 114

الافتراء أبلغ من هذا الافتراء، الذي نفى عنه ما كان معلوما من رسالته وأثبت له ما كان أبعد الناس عنه؟"ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب"بهذا أو غيره، والحال أنه لا عذر له، وقد انقطعت حجته، لأنه"يدعى إلى الإسلام"، وتبين له براهينه وبيناته."والله لا يهدي القوم الظالمين"الذين لا يزالون على ظلمهم مستقيمين، لا تردهم عنه موعظة، ولا يزجرهم بيان ولا برهان. خصوصا هؤلاء الظلمة القائمين بمقابلة الحق ليردوه، ولينصروا الباطل، ولهذا قال عنهم:"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم"، أي: بما يصدر منهم من المقالات الفاسدة، التي يردون بها الحق، وهي لا حقيقة لها، بل تزيد البصير معرفة بما هم عليه من الباطل."والله متم نوره ولو كره الكافرون"،أي: قد تكفل الله بنصر دينه، وإتمام الحق، الذي أرسل به رسله، وإظهار نوره في سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب ـ كراهته ـ كل ما قدروا عليه، مما يتوصلون به إلى إطفاء نور الله، فإنهم مغلوبون. ومثلهم كمثل من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها. ثم ذكر سبب الظهور والانتصار للدين الإسلامي، الحسي والمعنوي فقال،"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق"، أي: بالعلم النافع، والعمل الصالح. بالعلم: الذي يهدي إلى الله، وإلى دار كرامته، ويهدي لأحسن الأعمال والأخلاق، ويهدي إلى مصالح الدنيا والآخرة."ودين الحق"، أي: الدين الذي يدان به، ويتعبد لرب العالمين الذي هو حق وصدق، لا نقص فيه، ولا خلل يعتريه، بل أوامره غذاء القلوب والأرواح، وراحة الأبدان. وترك نواهيه سلامة من الشر والفساد، فما بعث به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق، أكبر دليل وبرهان على صدقه، وهو برهان باق، ما بقي الدهر، كلما ازداد العاقل تفكرا، ازداد به فرحا وتبصرا."ليظهره على الدين كله"، أي: ليُعلِيَّه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به، بالسيف والسنان. فأما نفس الدين، فهذا الوصف، ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه، وصار له الظهور والقهر، وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان. وإذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه، لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له، سبب تسليط الأعداء عليهم. ويعرف هذا، من استقرأ الأحوال والنظر، في أول المسلمين وآخرهم ...

قال البغوي رحمه الله:

قوله تعالى:"وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقًا لما بين يدي من التوراة ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد"، الألف في"أحمد"للمبالغة في الحمد، وله وجهان: أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي الأنبياء كلهم حمادون لله عز وجل، وهو - صلى الله عليه وسلم - أكثر حمدًا لله من غيره، والثاني: أنه مبالغة في المفعول، أي الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو - صلى الله عليه وسلم - أكثرهم مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد بها ....

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت