فهرس الكتاب
أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه, وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل, فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منكن وخسرت, أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله فإذا هي قد هلكت.
فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة فقلت لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم أو أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك. فتبسم أخرى, فقلت: استأنس يا رسول الله, قال: «نعم» فجلست فرفعت رأسي في البيت, فوالله ما رأيت في البيت شيئًا يرد البصر إلا أهبة مقامه, فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك, فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله, فاستوى جالسًا وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب. أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» فقلت استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عز وجل.
وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به, وأخرجه الشيخان من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد بن حنين, عن ابن عباس, قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له, حتى خرج حاجًا فخرجت معه فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له, قال: فوقفت حتى فرغ ثم سرت معه, فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم. هذا لفظ البخاري, ولمسلم: من المرأتان اللتان قال الله تعالى: {وإن تظاهرا عليه} قال عائشة وحفصة, ثم ساق الحديث بطوله ومنهم من اختصره.
وقال مسلم أيضًا: حدثني زهير بن حرب, حدثنا عمر بن يونس الحنفي, حدثنا عكرمة بن عمار عن سماك بن الوليد أبي زميل, حدثني عبد الله بن عباس, حدثني عمر بن الخطاب, قال: لما اعتزل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه دخلت المسجد, فإذا الناس ينكتون بالحصى ويقولون طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه, وذلك قبل أن يؤمر بالحجاب فقلت لأعلمن ذلك اليوم, فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة ووعظه إياهما, إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أسكفة المشربة, فناديت فقلت: يا رباح استأذن لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فذكر نحو ما تقدم ـ إلى أن قال ـ فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من أمر النساء, فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكال وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك, وقلما تكلمت ـ وأحمد الله ـ بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي, فنزلت هذه الاَية؛ آية التخيير {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن} {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير} فقلت: أطلقتهن؟ قال: «لا» فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه. ونزلت هذه الاَية { (وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا) (النساء: 83) } فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.