فهرس الكتاب
"وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"هذه الأحكام من جملة الأحكام التي في التوراة، يحكم بها النبيون الذين أسلموا، للذين هادوا، والربانيون، والأحبار. فإن الله أوجب عليهم، أن النفس ـ إذا قتلت ـ تقتل بالنفس بشرط العمد والمكافأة. والعين، تقلع بالعين، والأذن تؤخذ بالأذن، والسن ينزع بالسن. ومثل هذه ما أشبهها من الأطراف التي يمكن الاقتصاص منها بدون حيف."والجروح قصاص"والاقتصاص: أن يفعل به كما فعل. فمن جرح غيره عمدا، اقتص من الجارح جرحا، مثل جرحه للمجروح، حدا، وموضعا، وطولا، وعرضا وعمقا. وليعلم أن شرع من قبلنا، شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه."فمن تصدق به"أي: بالقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا عمن جنى، وثبت له الحق قبله."فهو كفارة له"أي: كفارة للجاني، لأن الآدمي عفا عن حقه. والله تعالى أحق وأولى بالعفو عن حقه. وكفارة أيضا عن العافي، فإنه كما عفا عمن جنى عليه، أو عمن يتعلق به ـ فإن الله يعفو عن زلاته وجناياته."ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"قال ابن عباس، كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. فهو ظلم أكبر، عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند فعله، غير مستحل له.
قوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ *وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)
أي: وأتبعنا هؤلاء الأنبياء والمرسلين، الذين يحكمون بالتوراة، بعبدنا ورسولنا، عيسى بن مريم، روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم. بعثه الله مصدقا لما بين يديه من التوراة، فهو شاهد لموسى، ولما جاء به من التوراة، بالحق والصدق، ومؤيد لدعوته، وحاكم بشريعته، وموافق له في أكثر الأمور الشرعية. وقد يكون عيسى عليه السلام أخف في بعض الأحكام، كما قال تعالى عنه أنه قال لبني إسرائيل:"ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم""وآتيناه الإنجيل"
الكتاب العظيم، المتمم للتوراة."فيه هدى ونور"يهدي إلى الصراط المستقيم، ويبين الحق من الباطل."ومصدقا لما بين يديه من التوراة"بتثبيتها والشهادة لها، والموافقة."وهدى وموعظة للمتقين"فإنهم الذين ينتفعون بالهدى، ويتعظون بالمواعظ، ويرتدعون عما لا يليق."وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه"أي: يلزمهم التقيد بكتابهم، ولا يجوز لهم العدول عنه."ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"