الصفحة 72 من 114

قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ *أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

يقول تعالى:"وأنزلنا إليك الكتاب"الذي هو القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها."بالحق"أي: إنزالا بالحق، ومشتملا على الحق، في أخباره، وأوامره، ونواهيه."مصدقا لما بين يديه من الكتاب"، لأنه شهد للكتب السالفة، ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجودها مصداقا لخبرها."ومهيمنا عليه"أي: مشتملا على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية، والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين. وهو الكتاب الذي فيه الحكم، والحكمة، والأحكام، الذي عرضت عليه الكتب السابقة. فما شهد له بالصدق، فهو المقبول، وما شهد له بالرد، فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل. وإلا، فلو كان من عند الله، لم يخالفه."فاحكم بينهم بما أنزل الله"من الحكم الشرعي، الذي أنزله الله عليك."ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق"

أي: لا تجعل اتباع أهوائهم الفاسدة المعارضة للحق، بدلا عما جاءك من الحق، فتستبدل الذي هو أدنى، بالذي هو خير

"لكل جعلنا منكم"أيه الأمم"شرعة ومنهاجا"أي: سبيلا وسنة. وهذه الشرائع التي تختلف باختلاف الأمم، هي التي تتغير بحسب تغير الأزمنة والأحوال، وكلها ترجع إلى العدل، في وقت شرعتها. وأما الأصول الكبار، التي هي مصلحة وحكمة في كل زمان، فإنها لا تختلف، فتشرع في جميع الشرائع."ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة"تبعا لشريعة واحدة، لا يختلف متأخرها ولا متقدمها."ولكن ليبلوكم في ما آتاكم"فيختبركم، وينظر كيف تعملون، ويبتلى كل أمة بحسب ما تقتضيه حكمته، ويؤتى كل أحد ما يليق به، وليحصل التنافس بين الأمم. فكل أمة تحرص على سبق غيرها، ولهذا قال:"فاستبقوا الخيرات"أي: بادروا إليها، وأكملوها، فإن الخيرات الشاملة لكل فرض ومستحب، من حقوق الله، وحقوق عباده، لا يصير فاعلها سابقا لغيره، مستوليا على الأمر، إلا بأمرين: المبادرة إليها، وانتهاز الفرصة، حين يجيء وقتها، ويعرض عارضها، والاجتهاد في أدائها، كاملة على الوجه المأمور به. ويستدل بهذه الآية، على المبادرة لأداء الصلاة وغيرها، في أول وقتها. وعلى أنه ينبغي أن لا يقتصر العبد على مجرد ما يجزي في الصلاة وغيرها من العبادات، من الأمور الواجبة. بل ينبغي أن يأتي بالمستحبات، التي يقدر عليها، لتتم وتكتمل، ويحصل بها السبق."إلى الله مرجعكم جميعا"الأمم السابقة واللاحقة، كلهم سيجمعهم الله، ليوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت