فهرس الكتاب
فإن كل محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة، لأنها لا تأتي إلا بخير في الأولى والأخرى:" (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (قـ: 37) ..."
قوله:"إن الله لا يهدي القوم الكافرين"جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة: أي إن الله لا يجعل لهم سبيلًا إلى الإضرار بك، فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه ...
وقد أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت"بلغ ما أنزل إليك من ربك"قال: يا رب إنما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع علي الناس، فنزلت"وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"...
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعًا وعرفت أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني، فأنزلت"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك""...
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله:"وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك لم تبلغ رسالته ...
وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟ قال: كنت بمنى أيام موسم، فاجتمع مشركو العرب وأفناء الناس في الموسم، فأنزل علي جبريل فقال:" (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ، قال: فقمت عند العقبة فناديت يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي وله الجنة، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله وأنا رسول الله إليكم، تفلحوا وتنجحوا ولكم الجنة، قال: فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون بالتراب والحجارة ويبزقون في وجهي ويقولون: كذاب صابئ، فعرض علي عارض فقال: يا محمد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه". قال الأعمش: فبذلك يفتخر بنو العباس ويقولون فيهم نزلت:" (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56) "هوى النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا طالب، وشاء الله عباس بن عبد المطلب ..."
وقال البغوي رحمه الله
قوله عز وجل:" (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) ، روي عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها من حدثك أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئًا مما أنزل الله عليه فقد كذب، وهو يقول:""(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ"