الصفحة 80 من 114

وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)،. روى الحسن: أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعًا وعرف أن من الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية

وقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاهم إلى الإسلام، فقالوا أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزؤون به، فيقولون له: تريد أن نتخذك حنانًا كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم حنانًا، فلما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلاَ تَاسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (المائدة: 68) .

وقيل: بلِّغ ما انزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود.

وقيل: نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها.

وقيل: في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه، كما قال الله تعالى: (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ) (محمد: 20) وكرهه بعض المؤمنين .. قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) (النساء: 77) فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.

قوله تعالى:"وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"، قرا أهل المدينة"رسالاته"، على الجمع والباقون رسالته على التوحيد. ومعنى الآية: إن لم تبلغ الجميع وتركت بعضه، فما بلغت شيئًا، أي: جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك في ترك تبليغ الكل، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) (النساء، 150 - 151) اخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض.

وقيل: (بلغ ما أنزل إليك) أي: أظهر تبليغه، كقوله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) (الحجر: 94) (الحجر،94) (وإن لم تفعل) : فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهرًا محتسبًا صابرًا، غير خائف، فإن أخفيت منه شيئًا لخوف يلحقك فما بلغت رسالته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت