الصفحة 46 من 72

وإن مما ينبغي التنبيه عليه هنا أمرين: الأول: أن كون الإنزال بغير جماع لا يفطر شئ، ومباشرة الصائم شئ آخر، ذلك أننا لا ننصح الصائم وبخاصة إذا كان قوي الشهوة أن يباشر وهو صائم، خشية أن يقع في المحظور الجماع [[1] ]وهذا سدا للذريعة المستفادة من عديد من أدلة الشريعة منها قوله - صلى الله عليه وسلم:"ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه"وكأن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ أشارت إلى ذلك بقولها حين روت مباشرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صائم:"وأيكم يملك إربه؟" [[2] ]والأمر الآخر: أن المؤلف لما ذكر الاستمناء باليد، فلا يجوز لأحد أن ينسب إليه أنه مباح عنده، لأنه إنما ذكره لبيان أنه مبطل للصوم عنده."ا. هـ [[3] ]"

وأما إن أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المنى أو المذي لمرض، فلا شئ عليه، لأنه أشبه بالبول والاحتلام. ولو احتلم لم يفسد صومه، فأشبه ما لو دخل حلقه شئ وهو نائم، ولو جامع في الليل فأنزل بعد ما أصبح، لم يفطر، فأشبه ما لو أكل شيئًا في الليل، فذرعهُ القيء في النهار.

وكذلك لو استمنى فأنزل مذيًا لا منيًا فصيامه صحيح، لأن إنزال المني اختيارًا لا يفسد الصوم فمن باب أولى أن لا يفسد المذي صومه [[4] ].

(1) قلت: ولأن رمضان شهر ينبغي أن يُميز بالطاعات لا الانشغال باللذات، والشهوات

(2) فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت:"كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقبِّل ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه". رواه البخاري ومسلم.

والأَرَب: بفتح الهمزة والراء هو الوطر وحاجة النفس. والإِرب بكسر الهمزة وسكون الراء هو العضو، ويطلق على الحاجة ـ والمعنيان متقاربان ـ والمعنى: أنه ينبغي الاحتراز من القبلة ولا تتوهموا أنكم مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في استباحتها، لأنه يملك نفسه ويأمن أن يتولد عنها شيء يوقعه في المحظور ـ الجماع ـ ففيه إشارة إلى أن من لا يملك إربه يضره ذلك.

فالمقصود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك، ولا شك أن الإنسان إذا فعل هذا فهو مظنة أن يقع منه المذي أو المني، والحديث دليل على أنه يجوز للصائم أن يقبل زوجته وأن يباشرها ـ دون الجماع ـ ولا فرق في ذلك بين صوم الفرض والنفل، ما لم يخش من التدرج بذلك إلى الجماع. فإنه يجب عليه ترك التقبيل والمباشرة، سدًا للذريعة؛ ولأن حفظ الصيام من الإفساد واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المتوضي بالمبالغة في الاستنشاق، إلا أن يكون صائمًا لئلا يتسرب الماء إلى جوفه. فكذا يمنع من القبلة إذا كانت ذريعة إلى الجماع المفسد للصوم وإلا فلا. وأما المراد بالمباشرة: التقاء البشرتين فهي أعم من التقبيل، وتطلق على الجماع، لكنه غير مراد هنا في الحديث، وذكر المباشرة بعد التقبيل من ذكر العام بعد الخاص؛ لأن التقبيل أخصّ من المباشرة.

وأما قوله - عز وجل - في ليالي الصيام: {فالآن باشروهن} البقرة: 187. فإن الآية وإن دلت بمفهومها على أن المباشرة في نهار الصيام منهي عنها إلا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المبين عن الله - عز وجل -،وقد أباح المباشرة نهارًا فدل على أن المراد بالمباشرة المنهي عنها في الآية هي الجماع لا ما دونه من القبلة ونحوها، أو يبقى اللفظ على عمومه وتكون الآية مخصّصة بما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - وما أذن فيه وهذا بعيد.

(3) تمام المنة ص 18 - 20

(4) الفرق بين المني والمذي: أن المني من الرجل ماء غليظ أبيض، ومن المرأة رقيق أصفر، وأما المذي فهو ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الملاعبة، أو تذكر الجماع، أو إرادته، أو نظر، أو غير ذلك، ويشترك الرجل والمرأة فيه بالإضافة إلى أن المني يخرج بتدفق ويصاحبه رعشة أما المذي فليس فيه شئ من ذلك، وأيضًا فإن المني لو رائحة كريهة ما لا توجد في المذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت