فهرس الكتاب
ثمة أشكال سلبية أخرى للنضال الاجتماعي، فقد تكررت حوادث الهروب من الأرض واتسع نطاقها، حيث أخذ الفلاحون يهربون إلى بلاد الشام وتركيا ومن الريف إلى المدينة، وبالإضافة إلى ذلك فقد كان أبناء الريف يعمدون إلى تشويه أيديهم وأرجلهم وخلع أسنانهم، ويتحدث صاحب المقال عن عمليات سمل عيون الأطفال واتخاذ أسماء نسائية للرجال، كما يروي حوادث هروب إلى المدافن والمستنقعات للإفلات من القرعة أو التعذيب، ومالنا نبتعد كثيرًا، فالتاريخ يروي لنا أنه من أسباب حملة محمد علي على سوريا القبض على ستة آلاف فلاح مصري كانوا قد هربوا إلى بلاد الشام.
كان الظلم والجزع وعدم إشراك المصريين في إدارة البلاد دوافع أساسية لهذه الانتفاضات في وقت لم يكن فيه تأثير أوروبي أو قدوم الأفغاني وراء كل شيء في مصر كما يرى باحثون ومؤرخون يرغبون أن يروا كل شيء قادمًا من الغرب أو وافدًا من الخارج، وبذلك تكون التأثيرات الأوروبية قد لقيت مناخًا وقبولًا، ويكون الأفغاني أيضًا قد وجد أرضًا خصبة مهيأة لبذر بذوره الثورية، ومهما يكن من أمر فما أن جاء منتصف القرن التاسع عشر حتّى سيطرت على الأهالي رغبة عارمة في ضرورة الإصلاح والتغيير// على اختلاف الدواعي والبواعث كانت تدفع للبحث عن الوسيلة// (3) .
إذن كانت مقاومة الطغيان عميقة الجذور في المجتمع المصري وفي الريف منه خاصة، وقد شكّلت هذه الانتفاضات خلفية ثورية للثورة العرابية ولأحزابها السياسية التي بدأت تعبّر عن نفسها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على خلاف ما ذكره لوتسكي الذي قرأ تاريخنا وغفل عن كثير من تفاصيله من أنه// لم يجرؤ الفلاحون عبر الأجيال على رفع أصواتهم ضد أسيادهم إلى أن جاء عرابي وحفزّهم على التمرد والمقاومة الأمر الذي لم يدر بخلد الفلاحين حتّى ذلك الحين// (4) ..