فهرس الكتاب
لن أتتبع المدن والقرى والأماكن التي اعتصم النديم فيها، ولن أصف الطرق التي تلوّن بها ولن أذكر الأسماء التي انتحلها، ففي ذلك إطالة.. وباقتضاب شديد.. فقد توجّه إلى بلده المنصورة وتجوّل في قراها متنكرًا ثم ارتحل إلى العتوة القبلية، وقطن بين أفراد أسرة أحد الوطنيين، ومن بيت هذا العرابي أعاد اتصاله بالخواجا موريس..
كان موريس مثقفًا فرنسيًا ارتبط مع النديم بصداقة في الاسكندرية منذ عام 1876، وكان يمتلك أرضًا زراعية في قرية قرب مخبأ النديم، وتوحي سيرة حياته أنه قد قدم إلى مصر ليرقب الأحداث كما كان شديد الاهتمام بحوادث الشرق منذ زمن بعيد، وتشير المصادر القليلة في هذا الصدد أن هذا الفرنسيّ كان ممن يعطفون على الحركة الوطنية المصرية وثورتها العرابية، وكان فوق هذا كله// واسع الأفق إنساني النزعة يحب أن يفتش في بلاد الشرق عن ثروات غير المال// (5) ، تحاور النديم مع صديقه هذا واشتركا في التأليف وقدّم الفرنسيّ المراجع التي طلبها النديم ووفّر له حاجاته المعيشية.
دوهم مخبأ النديم، فساح على وجهه دون أن يعرف له مكان إقامة، وعاش أيامًا صعبة كان العرابيون يضعون له الطعام خلالها في أماكن عرف أنه يمر فيها، وبعد ثلاثة اشهر من الطواف أمر بالذهاب إلى قرية الكوم الطويل فمكث فيها ثلاث سنوات أمر بعدها بالذهاب إلى المحلة الكبرى ثم إلى ميت الغرقى ثم إلى القرشيّة وهنا أقام في بيت أحد العرابيين خالط فيه العلماء والأدباء وشارك في الحياة الاجتماعية، وعندما ذاع صيته خشي العرابيون من افتضاح أمره فأوعزوا إليه بمغادرة المكان، فطاف عددًا من القرى والبلدات ثم كرّ راجعًا إلى بيت العرابي الكريم.