فهرس الكتاب
وفي قرية بريّة المندرة أعطي بيتًا منفردًا بين الحقول، وفي ذلك القفر الخالي عرف العوز والجوع وبدت له الدنيا كئيبة شاحبة اللون، وأخذته الوحدة من جميع أقطارها، وللمرة الأولى شعر بمرارة التخفي وقساوة الناس، وامتزجت نفسه بركام من الحزن والأمل والإباء فناجاها قائلًا: //جفّت أيدي الناس فهي لا ترشح.. وانقطع رشاء الأمل.. فبأية دلو أنضح.. كثرت الأراجيف فخافوا البأس ... وطال الزمن فداخلهم اليأس ... ومن الإخوان من لا يعلم بمكاني ... ولو اهتدى إليه لواساني ... أفتراني أسأل الأنذال ولو شربت الأجاج وطُعمت الرمال..// (6) .
انتقل النديم إلى قرية الجميزة، وكتم عمدتها أمره، ولسعة اطلاعه وطلاوة حديثه التف الناس حوله مما أثار شكوك أحد رجال البوليس السابقين، وعندما أخبر السلطات زودته بصورة للنديم وصدق ظنه، فقد استقدم دوريّة ألقت القبض على العرابي الذكي الهارب في الثاني من تشرين الأول من عام 1891، واقتيد إلى أقرب مخفر حيث استجوبه في طنطا المصلح المعروف قاسم أمين، فأكرمه وطمأنه، ثم حكمت عليه المحكمة بالنفي إلى بلاد الشام فاختار يافا وغادر إليها في الخامس عشر من شهر تشرين الأول لعام 1891، بعد وداع مِنْ العلماء والأدباء، وظلّ في منفاه إلى أن توفي الخديوي توفيق فعفا عنه عبّاس الثاني وعاد إلى مصر في التاسع من أيار من عام 1893، بعد أن تعهد بعدم الكتابة والاقتراب من السياسة.