فهرس الكتاب
عانى النديم في منفاه من صعوبة العيش وشظفه، فعرف الجوع والحاجة والعري، واختبط في بحر من الرعب والخوف والشوق والحنين، وقف معه في هذا كله العرابيون الذين أشرفوا على إخفائه بصدق وذكاء مما يسجل لهذا الشعب مكرمة من أجل المكارم، فقد خططوا له وضللوا الحكومة عنه وصرفوا نظرها عن مخبئة وأشاعوا عنه أنه مات في أحد السجون أو أنه احتمى في إحدى الدول الأوروبية أو أنه في بلاد الشام، فأحاطته الإشاعات واكتنفته الأقاويل، غير أن ذلك لم يثن الحكومة عن عزمها في البحث عنه وملاحقته بجواسيسها ومخبريها، وقد خصصت مكافأة قدرها ألف جنيه لمن يقبض عليه.
وفي المنفى أطلع العرابيون النديم عما كان يجري في الخارج، فعرف الأحداث التي جرت بعد انهيار الثورة، والأجواء السياسية المحلية منها والدولية، وقرأ الكتب والصحف، وقد هزّت معرفته بما حلّ بالأصحاب الأحياء منهم والأموات كيانه بعد معرفته بهروب أسرته إلى الاسكندرية خوفًا من الانتقام، وازداد حزنًا حين علم أن مؤلفاته قد ألقيت في النيل لازدحام الركّاب في قاطرة كان والده يستقلها.