فهرس الكتاب
اعتبر مجلس الوزراء المصري موقف السلطان تدخلًا في شؤون داخلية كان الخديوي وراءه فرفضه المجلس وقرر مقاومة كل تدخل من السلطان ولو كان ذلك بالقوة، ثم سرعان ما قطع الوزراء علاقتهم بالخديوي الذي قطعت الآستانة علاقتها به أيضًا لعدم سيطرته على وزرائه وبذلك تكون الطريق قد أصبحت معبدة أمامه إلى الإنكليز فسلكها وبدأ يطلب المساعدة منهم وأخذ يلح في ذلك عندما سرت شائعات في الشارع المصري تتحدث عن نية الحركة الوطنية بخلعه عن العرش.
في الحال وبعد اتصالات بين فرنسا وبريطانيا قررت الدولتان إرسال أسطول إلى مصر لحماية الخديوي وحاشيته فأخذ الأسطول طريقه ووصلت البوارج الحربية إلى ميناء الإسكندرية بالإضافة إلى دول أوربية أرسلت هي الأخرى بوارج حربية بحجة حماية رعاياها، وبعد أن استكمل الحشد العسكري طلبت فرنسا وبريطانيا استقالة حكومة البارودي وإخراج عرابي من البلاد ووضع عبد العال حلمي وعلي فهمي تحت الإقامة الجبرية ثم دعتا إلى تسريح الجيش المصري.
التف الشعب حول حركته الوطنية يؤازرها ويؤيدها وقابل التدخل العسكري بالتظاهرات الصاخبة والاستنكار الصارخ وبرز عرابي منقذًا وطنيًا شامخًا ثابتًا وأدرك الوطنيون أن حماية ترابهم تقع على عاتقهم وحدهم، فرفضوا مطالب الدولتين وأبلغوا الخديوي بذلك وأخذوا يدعونه لمؤازرتهم في موقفهم هذا غير أنه كان قد قطع ثلثي الطريق باتجاه الإنكليز وقال: لقد وعد الدولتين بموافقته على ما تريدان وليس في مقدوره أن يتراجع.
في هذه الظروف الحرجة واجهت الحركة الوطنية انقسامًا آخر في صفوفها بين قيادتها السياسية، فقد انحاز محمد سلطان وأعوانه من الإقطاعيين وكبار الملاكين إلى جانب الخديوي وطلبوا من النواب الحكمة والروية ثم تلا ذلك استقالة البارودي المفاجئة من رئاسة الوزراء //فارتكب بذلك إثمًا يعيبه أشد العيب// (27) وبذلك تكون البلاد قد خضعت لحكم الخديوي المطلق.