فهرس الكتاب
لم يكن للنهضة الثقافية هذه شأن يذكر في عهدي عبّاس وسعيد، وليس ثمة ما يستحق الوقوف عنده، وكما ذكرت فقد كان عهد كل منهما ضحلًا توقف الدرس فيه والتحصيل عن النمو والازدهار، وحرص هذان الواليان على الحد من التقدم التعليمي ويناعته، وكما يذكر مؤرخو هذه الفترة كانت ردة ثقافية ورجعية في التفكير وعودة إلى الوراء، فعرفت البلاد إغلاق المدارس وتقليص العلوم والمنشآت الثقافية التي كان قد بدأها محمد علي وكان يتم ذلك بحجة الاقتصاد في النفقات وتوفيرها، ولعل نفي الطهطاوي على يد عبّاس الأول خير دليل على هذه الردة الثقافية، فقد جرّد من مناصبه وأبعد إلى السودان /للتخلص من دعاة الدولة الحديثة/ (19) .
لم يكن في مقدور عبّاس وسعيد أن يوقفا الأقنية الثقافية لأن رأيًا عامًا كان قد بدأ يتشكّل في البلاد وأخذ يقترب من جماهير الفلاحين ويتحدّث عن مشاكلهم، وأخذ الجدل يتفاعل في صفوف أبناء الشعب وخاصة في فترة حكم اسماعيل الذي كان عهده عهد نهوض أدبي وبناء فكري كما يشهد بذلك مؤرخو عصر النهضة دون استثناء، ففي فترة حكمه ازدادت العلاقات رسوخًا مع أوربا وانفتحت مصر على مصراعيها في وجه تيارات الفكر والأدب كأن عاصفة تريد ألا تبقي على كل مخلفات الماضي، وتشكّلت في البلاد آراء وتيارات متصارعة تعاظمت قوتها واحتدم الجدل بينها، وأخذت البلاد تمور بالثقافة وتعج بالمثقفين والساسة والعلماء والفنانين، وأصبحت مصر قبلة الفارين والمهاجرين والملاحقين من كافة بلاد الشام وغيرها يجذبهم الأمن والجدل والنقاش، كل ذلك يحثهم على القدوم والإقامة في مصر لما أتيح لها من حرية في القول والعمل مستفيدين من الفرصة المتاحة لهم والتي كان ينعم بها أبناء البلاد.