فهرس الكتاب
لم يعد مصباح إلى قريته كما عاد غيره من العمال إلى الريف بل استطاب له المقام في المدينة واتخذ له فيها مخبزًا يصنع فيه الخبز ويبيعه إلى الغرباء من الأجانب في حي المنشية الشعبي، وبهذا استطاع أن يحصل على مورد رزق بسيط مكّنه من الزواج وبناء أسرة تقترب من اليسار حينًا وتبتعد عنه أحيانًا أخرى، وفيما هو في السادسة والعشرين من عمره رزق بابنه عبد الله عام 1843 والذي سيعرف بالنديم فيما بعد.كان في حي المنشية صناعيون وتجار وأرباب مهن أرسلوا أولادهم إلى الكتاتيب كي يحصلوا على شيء من التعليم ليمكنهم من مزاولة مصالحهم، وأرسل مصباح ولده النديم إلى الكتّاب، ومنذ البدء بدأت على الطفل علائم الذكاء، فقد استوعب ما كلّفه به شيخه وفرضه مما شجع والده على إرساله إلى الجامع الأنور الذي كان يضاهي الأزهر، وفيه أمضى ست سنوات أتقن خلالها الحديث والفقه والصرف والنحو والمنطق والتفسير والبلاغة أشرف عليه مدرسون كان أحبهم وأقربهم إلى قلبه الشيخ محمد العشري.
اكتشف العشري النديم وعرف مواهبه وميوله، فاصطحبه إلى المجالس الأدبية وأخذ يطوّف به السهرات والندوات، ولتشابه في سلوكهما ارتبطا بصداقة ووداد حافظ النديم عليهما وذكرهما في رسائله إلى أستاذه فيما بعد قال له: /غذاء النفوس وبهجة المهجة سيدي ومجيري وعمدتي يخصك التحية غرس بستانك وزهر إحسانك، ربيت فأحسنت وغذيت فأسمنت وعلمت فأفهمت وأشرت فألهمت، وكيف لا يكون لساني قوس البديع وكلامي السهم السريع وأنت باريه وراعيه/ (1) .