فهرس الكتاب
وفيما يبدو لم ترق دروس المسجد الرتيبة للنديم، فهرب فجأة واندس في صفوف الأدباتية أولئك الشعراء الشعبيون الظرفاء، وهام مثلهم في كل طريق ومنعطف وانتقل معهم من بلدة إلى بلدة ينظم ويحاور ويقلد تسعفه في ذلك ذاكرة عجيبة، فساح في شوارع الإسكندرية والقاهرة والمنصورة وطنطا أولًا، ثم اتجه إلى الريف وضرب في عمقه وهناك خالط الفلاحين والتصق بهم وعاش كما يعيشون ووضع يده على مأساتهم الاجتماعية بكل أبعادها ولاحظ ذلك الانقسام بين المالك والمملوك والفقير والغني. إن هذا الوعي الاجتماعي سيبقى محورًا يرتكز عليه نضاله السياسي طيلة حياته.
ومع الجوالين الظرفاء أحب النديم الترحال وتذوق العيش معهم واستساغه، فأصبح صلب العود صعب المراس عميق الثقة بنفسه خصب التجربة، وقد أفصح عن ذلك إلى صديق له في رسالة يحدثه فيها عن عمق هذه التجربة وأثرها في نفسه قال: /وما تعهده في طبيعتي من الجبن كان قبل ركوب السفر ومعاناة الأمور ومعاداة الدهور، فإن من ألف الراحة وألف السياحة واقتصر على مصره ورجال عصره كان كطير القنص إذا وضع في القفص يفرح بمطعوم جنسه ومائه ويمرح بين أرض حبسه وسمائه، فإن غابت عنه الميرة أدركته الدهشة والحيرة يستغيث ولا يغاث حتى يصير كالبغاث، وأما من زاد التنقل واختار التغرب فهو كالكركي تارة شامي ومرّة تركي وآونة مصري وأخرى بصري لا يحرم من القفار نيلها ولا من الأنهار نيلها/ (2) .