فهرس الكتاب
وبعد أن عاد من تطوافه ارتحل إلى القاهرة وفيها تعلّم فن الإشارات البرقية وعيّن عامل مقسم بمدينة بنها في محطة السكك الحديدية بعيدًا عن أصحابه الصعاليك الظرفاء، فتكدّر عيش الزجال الغريد، وشكا دهره ومعاكسته وتذمر من الظروف التي أحاطت به، ففي رسالة إلى صديق له يقول فيها /لو أن السيد يعلم ما أنا فيه من معاناة الأمور ومعاداة الدهور لالتمس عذرًا لتأخيري وصفحًا عن تقصيري، فقد حررته ليلة نوبتي وبعد عشائي وقبل نومتي مع صفير الوابورات وجعجعة العربيات/ (3) .
وفي رسالة أخرى يحزن لافتقاد الأصدقاء وحرمانه جو الأدب الذي كان يعيش فيه وكيف جعلت منه الظروف طائرًا في قفص قال /وانتظمت في سلك التلغراف وامتزجت بالأوباش بعد الأشراف فضعف يقيني ولم أجد من
يقيني/ (4) .
ولمّا كان عمّال المقاسم قلائل في تلك الأيام انتدب ليعمل في قصر الأميرة جوشيار خانم والدة الخديوي إسماعيل، وفي هذا القصر الفاخر غمره النعيم وأصابه وأصبح من موظفي القصر له ما لهم من طعام وكساء وإقامة.. وهناك وقعت عينه على كل غريب عجيب، فالأميرة الشرقية لم تدع شيئًا من ألوان الترف والرفاه، فرق موسيقية شرقية وغربية، فرق التمثيل والمغنيات، الأمراء والسادة المرصعون بالنياشين والقصب والفضة، الجواري والوصيفات اللواتي كن على جانب عظيم من الذوق والجمال والفطنة. لقد أحسّ النديم برغد العيش هذا فكتب إلى صديق له //أدركت برهة من الزمن لم أذق فيها سمّ الإحن وقتما كنت في القصر العالي بحر الجواهر واللآلي فقد استرحت هناك من الشياطين وانتظمت في خدمة السلاطين// (5) .