فهرس الكتاب
وفي أوساط أبناء الفقراء يعرض النديم المشكلة ذاتها بمرارة، ولعل قصة عربي تفرنج.. من أكثر قصصه خفة ورشاقة ومن أشدّها لذعًا وتهكمًا على المقلدين، تخفي بين سطورها دهشة مبطنة بالحزن من زعيط بن معيط.. الشاب الصعيدي الفقير الذي نشأ في بيت من الطين مسقوف بأغصان الشجر يشاركه في سكناه البهائم، تعلّم زعيط في مدرسة القرية وكان والده يعطيه كل يوم أربعة أمخاخ من البصل ولا يطعمه اللحم إلا في العيد يمتعه به مطبوخًا مع البصل أيضًا، أوفدت الحكومة الفتى الصعيدي الفقير، وفي باريس وقع في كل ما يقع فيه شاب سطحيّ وضاع في الدروب والمنعطفات وأخذ من الحضارة قشورها ولم ينل من العلم جوهره ومعناه، وحين عودته احتضنه والده وضمّه إليه وانهالت عليه أمه بالقبلات، ولكن الفتى الصعيدي نفر منهما لأن رائحتهما بصل وثوم وقال لوالده إن طريقة السلام هذه قبيحة ومتخلفة فأنتم يا أبناء العرب //زي البهائم//، في البيت واحتفاء به قدّمت له أمه البصل واللحم كعادتها حين كان طالبًا، ولكن الفتى المتفرنج لم يعرف اسم البصل إذ كان قد نسيه وقال لها// قولي نونو اللي يبقى له رأس في الأرض ويدمع العينين//.
عندما شكا معيط ولده إلى أحد النبهاء قال النبيه: //إن ولدك لم يتهذب وهو صغير ولم يتعلم حقوق وطنه ولم يعرف حقّ لغته ولا قدّر شرف الأمة ولا مزية الأمة فهو كالغراب عندما قلّد الحجل عجز عن التقليد وفقد طبيعته الأولى// (23) .