فهرس الكتاب
إن مقالات النديم تفصح عن وعي مبكر بانقسام المجتمع إلى فقراء وأغنياء وإلى ظالمين ومظلومين، فشحنه ذلك الواقع المصري بزخم ثوريّ لم نعرفه إلا في كتابات أستاذه الأفغاني الذي كان مرجلًا يفور أو برميلًا من البارود يتهيأ لينفجر في وجه طغاة الأرض آنذاك، فاستمد النديم من أستاذه طاقته الثوريّة وشنّ هجومًا ضاريًا على الأغنياء من إقطاعيين وكبار ملاّكين استعرض فيه جرائمهم وقدّمهم إلى التاريخ خونة بحقّ شعبهم يستحقون اللعنة منه واعتبرهم//حزب الضلال تقوّى على حزب الكمال، وأغرقوا البلاد بالحشاشين واللصوص والنصّابين والغانيات والنشّالين فأحيط البلد باستحكامات القبائح، وهاهي مصر تقع على شاطئ بحر الجنيهات تحيطها العاهرات والمضللون والمخرفون وقد أطلق عقالها حمير المال الذين هم أشّد قسوة من الوحوش//.
وفي نداء يشوبه الحزن والمرارة يثوب فيه النديم إلى هدوئه يدعو أصحاب الأموال أن يعودوا إلى ضمائرهم، وألا يفرحوا بما ملكت أيديهم طالما أن في البلاد جوعًا وبؤسًا، وإليهم قال: //فيا أيها الفرح بما ملكت يداه ما أحزنك لو تأملت المضطّر يتضوّر جوعًا والبائس ينتفض بردًا والغريب لا مأوى له يستكن فيه واليتيم لا قيّم له يرشده ويعلمه والمريض المعدم لا مال يطيّب فيه نفسه ولا متاع يبيعه لينفعه في حفظ حياته //وفي زفرة تختزل شخصية النديم الحسّاسة المتوهجة بكل كرب الفقراء المصريين وبلواهم في عهد توفيق يقول لمن حجب الحياة عن أبناء شعبه //أفٍ لك ولمالك قلّ أو كثر فإنك تحجر على الإنسان قوته ومسكنه وملبسه بما تصنعه من اكتناز المال، وما ظهرت إلا لتخريب البلاد من حصر النقد عندك وعدم تمكن الأفراد مما يبتاعون// (42) .