فهرس الكتاب
وفي أولى مهامه التي انتدبته لها الحركة الوطنية المصرية، انطلق النديم إلى الريف المصري ليقيم جسورًا بين الثورة التي نضجت في المدن وبين الفلاحين الذين كانوا يعيشون حالة غليان وانتفاضات على حكم الأسرة المالكة، فوصل إلى القصي البعيد من البلاد وطاف الأرجاء والأصقاع يندد باستبداد الخديوي ورئيس وزرائه ويبيّن عيوب الحكّام ويدعو إلى إقامة حكومة دستورية يتساوى فيها المصريون والأتراك، وتتمكن البلاد بواسطتها من الوقوف في وجه المد الأجنبي، وفي الجولة ذاتها دعا إلى الالتفاف حول الجيش وتأييد ضبّاطه العرب لأنهم قد تبنوا بالفعل مطالب الشعب وإلغاء الضرائب عن كاهل الفلاح المصري، وعن هذه المهمة قال النديم في مذكراته السياسية: //أعلنت حب العسكر والتعويل عليهم وناديت بانضمام الجموع إليهم وأوغلت في البلاد ونددت بالاستبداد وتوسعت في البلاد وعنيت مثالم الحكّام الظّلام لا أعرّفهم إلا بالجهلة الأسافل ولا أبالي بهم وهم ملء المحافل// (4) .
وفي الريف حظيت الثورة بتأييد شعبي عارم، وشقّت صفوفها في الطرقات والدروب الترابية التي تنساب بين أكواخ الطين، وانحدر الفلاحون إلى القاهرة //واكتظت الشوارع بهم حاملين إلى الخديوي الشكاوى من اضطهاد السلطات لهم على نحو لا يطاق// (5) ، وكذلك في المدن عمّ الاستياء بين التّجار واشتدت المعارضة //لفرض الضرائب عليهم وعلى أصحاب الحرف رغم كساد التجارة وبوار الصناعة، وفي صفوف الموظفين وبين الفئات الحاكمة كان يسود عدم الرضى فقد أرهقت الديون الجميع، وهكذا عمّت مصر الاتجاهات المعارضة// (6) .