فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 129

وفي الوقت ذاته كان اعتصامه بين أبناء الفلاحين فخرًا للعرابي الثوري وامتحانًا له، لأنه وثق بهم واستودعهم على ثورتهم التي انحصرت فيه منذ الآن، وإن كانت مصر قد طعنت بمن استسلم من قادة الثورة فهي مرفوعة الجبين بهذا الصعلوك العرابي الذي أخفى الثورة وطوى علمها بين المصريين بثقة وعن سابق قصد ودراسة. لقد صدق ظنه عندما تمكّنت حكومة توفيق من القبض بوقت قصير على عرابيين فرّوا إلى أوربا أو إلى جزيرة كريت وإعادتهم إلى مصر لتطوّق أعناقهم بحبال المشانق، هذا في الوقت الذي لم تتمكن فيه من القبض على النديم بسهولة رغم يقينها أنه في الريف المصري ... لماذا كان الريف محطّ أنظار النديم في نشاطاته السياسية وفي فراره أيضًا ... .؟

إن الحالة التي عاشها المجتمع المصري في عهد محمد علي تدعو إلى الدقة والتأمل، وبدون دراسة تفصيلية لتلك المرحلة لن يستطيع الباحث من تفسير الثورة العرابية وإدراك نزعاتها القوميّة والاجتماعية والأدوار الثورية التي لعبتها والتي قام بأدائها زعماء مختلفو الآراء والمشارب الثقافيّة، فقد بات من المؤكّد وكما تشير المصادر التاريخية وتنطق به كتابات عصر النهضة أن هذه الثورة كانت قد قامت على أكتاف أبناء الريف وقبل أن تصبح لسان حال المصريين بمدنهم وأريافهم، كانت قد وجدت لها إرهاصات ومقدمات في الريف، ومهدّت لها انتفاضات سبقتها وتمردات، اصطبغت جميعها بصبغة اجتماعية ونثرات قوميّة ونزعات وحدويّة، واضحة المعالم تتطلع إلى المحيط العربي والإسلامي حولها، سعت أن تقيم معهما جسورًا ... ولكم كانت تحمل توقًا إلى التخلص من الطغيان ... !..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت