أبو حازم سلمة بن دينار وبعض الأمراء
أرسل بعضُ الأمراء إلى أبي حازم، فأتاه وعنده الإفريقي والزهري وغيرهما، فقال له: تكلَّم يا أبا حازم، فقال أبو حازم: إنَّ خيرَ الأمراء من أحب العلماء، وإنَّ شر العلماء مَن أحبَّ الأمراء، وإنه كان فيما مَضَى إذا بعث الأمراء إلى العلماء لم يأتوهم، وإذا أعطوهم لم يقبلوا منهم، وإذا سألوهم، لم يرخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، فكان في ذلك صلاحٌ للأمراء، وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك أناسٌ من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلمَ حتى نكون مثل هؤلاء، فطلبوا العلم فأتوا الأمراء فحدَّثوهم، فرخصوا لهم، وأعطوهم فقبلوا منهم، فجرأت الأمراء على العُلماء، وجرأت العلماء على الأُمراء [1] .
أبو حازم عند سليمان بن عبدالملك
وعن عبدالله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه قال: دخل سليمان بن عبدالملك المدينة حاجًّا، فقال: هل بها رجل أدرك عِدَّة من الصَّحابة؟ قالوا: نعم، أبو حازم، فأرسل إليه، فلما أتاه، قال: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال: وأيُّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني، ولم تأتني، قال: والله، ما عرفتني قبل هذا، ولا أنا رأيتك، فأيُّ جفاء رأيتَ مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري، فقال: أصابَ الشيخ وأخطأت أنا.
فقال: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ فقال: عمَّرتم الدُّنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العُمران إلى الخراب، قال: صدقت، فقال: يا أبا حازم، ليت شعري ما لنا عند الله - تعالى - غدًا؟ قال: اعرض عَمَلَك على كتاب الله - عزَّ وجلَّ - قال: وأين أجدُه من كتاب الله - تعالى - قال: قال الله - تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 13 - 14] ، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال أبو حازم: قريب من المحسنين، قال سليمان: ليت شعري كيف المفرُّ من الله غدًا؟ قال أبو حازم: أمَّا المحسن كالغائب يقدم على أهله، وأمَّا المسيء كالآبق يقدم به على مولاه، فبكى سليمان حتى علا نحيبه، واشتد بكاؤه.
(1) "حلية الأولياء"، لأبي نعيم، ج 3، ص 243 - 244.