موعظة سلمة بن دينار لسليمان بن عبدالملك
لما حج سليمان بن عبدالملك استحضر أبا حازم، فقال له: تكلم يا أبا حازم، قال: فيمَ أتكلم؟ قال في الخروج من هذا الأمر، قال: يسير إنْ أنت فعلته، قال: وما ذلك، قال: لا تأخذ الأشياء إلاَّ بِحَقها ولا تضعها إلا في أهلها، قال: ومن يقوى على ذلك؟ قال: مَن قلَّده الله من الأمر ما قلدك، قال: عِظْني يا أبا حازم؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنَّ هذا الأمر لم يصلْ إليك إلاَّ بِمَوت من كان قبلك، وهو خارج منك بمثل ما صار إليك، ثم قال: يا أمير المؤمنين، نَزِّه ربك في عظمته عن أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.
يا أمير المؤمنين، إنَّما أنت سوق فما نفق عندك، حمل إليك من خير أو شر، فاختر لنفسك أيهما شئت، قال: فما لك لا تأتينا؟ قال: وما أصنع بإتيانك؟ إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أحزنتني، وليس عندك ما أخافك عليه، ولا عندك ما أرجوك له، قال: فارفع إلينا حوائجك، قال: قد رفعتها إلى مَن هو أقدر منك عليها، فما أعطاني منها قبلت، وما منعني منها رضيت، يقول الله - تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32] ، فمن ذا الذي يستطيع أن ينقص من كثير ما قسم الله، أو يزيد في قليل ما قسم الله؟ فبكى سليمانُ بكاءً شديدًا، فقال رجل من جُلسائه: أسأتَ إلى أمير المؤمنين، قال أبو حازم: اسكت، فإن الله أخذ ميثاقَ العلماء ليُبيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه، ثم خرج من عنده، فلما وصل إلى منزله، بعث إليه بمال فرَدَّه، وقال للرسول: قل له: يا أميرَ المؤمنين، والله ما أرضاه لك، فيكف أرضاه لنفسي [1] .
(1) أورد كثيرًا من هذه القصص أبو بكر الطرطوشي في كتابه"سراج الملوك"، وابن كثير في تاريخه، وغيرهما.