قال: يا أيا حازم، أوصني، قال: نعم، سوف أوصيك وأوجز: نَزِّه الله - تعالى - وعظمه أن يراك حيث نَهَاك، أو يفقدك حيث أمرك، ثم قام، فلما وَلَّى قال: هذه مائة دينار أنفقها، وعندي لك أمثالها كثير، فرمى بها، وقال: والله، ما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي، إنِّي أعيذُك بالله أن يكونَ سؤالُك إياي هَزْلًا، ورَدِّي عليك بَذْلًا، إن موسى بن عمران - عليه الصلاة والسلام - لما وَرَدَ ماء مدين، قال: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24] ، فسأل موسى - عليه السَّلام - رَبَّه - عزَّ وجلَّ - ولم يسألِ الناس، ففطنت الجاريتان ولم تفطن الرُّعاة لما فطنتا إليه، فأتيا أباهما شُعيبًا - عليه السَّلام - فأخبرتاه خبره، قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعًا، ثم قال لإحداهما: اذهبي ادعيه، فلما أتته أعظمته، وغطت وجهها، ثم قالت: {إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ} [القصص: 25] .
فلما قالت: {لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ} [القصص: 25] ، كره موسى - عليه السَّلام - ذلك، وأراد أن لا يتبعها، ولم يجد بُدًّا من أن يتبعها؛ لأنه كان في أرض مسبعة وخوف، فخرج معها، وكانت امرأة ذات عَجُز، فكانت الرياح تصرف ثوبَها، فتصف لموسى - عليه السَّلام - عجيزتَها، فيغض مرة ويعرض أخرى، فقال: يا أَمَةَ الله، كوني خَلْفِي، فدخل موسى إلى شعيب - عليهما السلام - والعشاء مهيأ، فقال: كُل، فقال موسى - عليه السَّلام: لا، قال شعيب: ألست جائعًا؟ قال: بلى، ولكني من أهل بيت لا يبيعون شيئًا من عمل الآخرة بِمِلْءِ الأرض ذَهَبًا.
أخشى أن يكون هذا أجرَ ما سقيتُ لهما، قال شعيب - عليه السَّلام: لا يا شاب، ولكن هذه عادتي وعادة آبائي قِرَى الضَّيْف، وإطعام الطَّعام، قال: فجلس مُوسى - عليه السَّلام - فأكل.
فإن كانت هذه مائة الدينار عوضًا عمَّا حدثتك، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلُّ منه، وإن كانت من مال المسلمين، فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم، وإلاَّ فلا حاجةَ لي فيها، إنَّ بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتُّقى حيث كانت أمراؤهم يأتون إلى علمائهم؛ رَغْبَةً في علمهم، فلما نكسوا ونفسوا وسقطوا من عين الله - تعالى - وآمنوا بالجبت والطاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم، ويشاركونهم في دُنياهم، وشُرِّكُوا معهم في قتلهم.