مقدِّمة:
الحمدُ لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف خلقه محمد، صلَّى الله عليه، وعلى آله وصحابته الذين تلقوا هذا الدِّين وبلغوه إلى الأمة نقيًّا صافيًا.
أما بعدُ:
فما فتئ من ورثة العلم النبوي وحَفَظة كتاب الله مَن يذب عن حوزة الإسلام، ويدحض الشبهات، ويرد على المعاندين لنصرة دين الله وإعلاء كلمته، وسيظل هذا الدِّين الذي هو خاتم الأديان وأشملها خالدًا ظاهرًا إلى أن تقوم الساعة.
وقد كان من محاسن علماء الإسلام وحماته أنْ جهروا بالنُّصح واحتملوا الأذى، ولم يُحابوا أحدًا أو يداهنوه؛ إذ كانت المحاباة والمداهنة تنافي ما أمروا به من قول الحق والصَّدع بأمر الله، حتى عند غلبة الهوى وتسلط الوُلاة وقسوة المتجبرين، لقد فضلوا أن يُبرئوا ذمتهم، وأن يعلنوا الحقَّ في غير خفاء أو لف ودوران، ولقد تَمَّ لهم ما أرادوه من إبلاغ الحقِّ، وإقامة الحجة في وضوح ونصاعة، وظهور يليق بهذا الحق الذي يدعون إليه، وإن أصابَهم في سبيل ذلك ما أصابهم.
وإذا كانت الأمة الإسلامية في أمسِّ الحاجة للالتفات نحو تاريخ سلفها الصَّالح للاقتباس والاقتداء والاعتبار، فإنَّ هذه الناحية - ناحية النصيحة - والجهر بها من أهم نواحي ذلك التاريخ الوضاء.
وقد خطرت لي فكرة اختيار مجموعة من مواعظ ورسائل لبعض العلماء الأعلام، ونقبت وبحثت وجمعت هذه النخبة التي لم تكن من قبل مجموعة في فن واحد أو كتاب واحد، ولكنَّها مبعثرة بين كتب شتَّى، ولم يكن من أهدافي الحصر والاستيعاب، ولكنها نماذج يحسن أن يطلع عليها الجيل المتوثِّب، عسى أن يَجد فيها قبسًا يضيفه إلى المشاعل التي تركها سلف أَمَاجد؛ ليستنير بها مَن وُفِّق إلى الرشاد، فانتهج سبل الفلاح وطريق النجاح.
والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وعليه الاعتماد، ومنه نسأل العون والتوفيق.