الصفحة 36 من 112

وصية مالك للمهدي

وعظ الإمام مالك الخليفة المهدي حينما طلب منه أن يوصيه فقال له: أوصيك بتقوى الله وحده، والعطف على أهل بلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجيرانه، فإنه بلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( المدينة مهاجري، وبها قبري وبها مبعثي، وأهلها جيراني، وحقيق على أمتي حفظي في جيراني، فمَن حفظهم كنت له شهيدًا وشفيعًا يوم القيامة ) ).

ووعظ أحد الولاة فقال له: تفقَّد أمور الرعية؛ فإنك مسؤول عنهم، فإن عمر بن الخطاب قال: والذي نفسي بيده لو هلك جمل بشاطئ الفرات ضياعًا لظننت أن الله يسألني عنه يوم القيامة.

وأرسل إلى أحد الخلفاء يوصيه فقال له: اعلم أن الله - تعالى - قد خصَّك من موعظتي إياك بما نصحتك به قديمًا، وأتيت لك فيه ما أرجو أن يكون الله - تعالى - جعله لك سعادة وأمرًا جعل سبيلك به إلى الجنة فلتكن - رحمنا الله وإياك - فيما كتبته إليك مع القيام بأمر الرعية وما استرعاك الله من رعيته، فإنك المسؤول عنهم صغيرهم وكبيرهم، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيته ) ) [1] .

وروي في بعض الحديث أنه يؤتى بالوالي ويده مغلولة إلى عنقه فلا يفكُّ عنه إلا العدل، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: والله إن هلكت سخلة بشط الفرات ضياعًا لكنت أرى الله - تعالى - سائلًا عنها عمر.

وحج عمر عشر سنين، وبلغني أنه ما كان ينفق في حجِّه إلا اثنى عشر دينارًا، وكان ينزل في ظل الشجرة، ويحمل على عنقه الدرة، ويدور في السوق يسأل عن أحوال مَن حضرها ومَن غاب عنها، ولقد بلغني أنه وقت أصيب حضر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأثنوا عليه فقال: المغرور من غررتموه، لو أن ما على وجه الأرض ذهب لافتديت به من أهوال المطلع.

فعمر - رحمه الله تعالى - كان مسدَّدًا موفَّقًا مع ما قد شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، ثم هو مع هذا خائفٌ لما تقلَّد من أمور المسلمين فكيف بِمَن قد علمت؟ فعليك بما يقربك إلى الله وينجيك

(1) أخرجه ابن ماجه عن أنس؛"كنز العمال"6/ 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت