الصفحة 35 من 112

وأنت فعفا الله عنك ووصلك، وطلب منه أن يكتب كتابًا يدوِّن فيه العلم قصدًا بين شدائد عبدالله بن عمر ورخص ابن عباس، وليتحرَّ ما اجتمع عليه الأئمة والصحابة؛ ليحمل الناس عليها ويبثها في الأمصار، وتحدَّثا طويلًا ثم استأذن مالك في الانصراف فأمر له المنصور بألف دينار عينًا ذهبًا وكسوة عظيمة، وأمر لابن الإمام مالك بألف دينار [1] .

مالك لا يريد إلزام الناس بـ"الموطأ"

وقال مالك بن أنس: لما حج أبو جعفر المنصور دعاني فدخلت عليه فحدثته، وسألني فأجبته فقال: إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها - يعني:"الموطأ"- فتنسخ نسخًا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمُرهم أن يعملوا بما فيها لا يتعدوها إلى غيرها، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدَث، فإني رأيت أصل هذا العمل رواية أهل المدينة وعلمهم، قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، لا تفعل؛ فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخَذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا به، من اختلاف الناس أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنَّ ردَّهم عمَّا اعتقدوه شديد، فدعِ الناس وما هم عليه وما اختار كل بلد لأنفسهم، فقال: لعمري لو طاوعني على ذلك لأمرت به.

(1) انظر: كتاب"الإمامة والسياسة"؛ لابن قتيبة، و"كتاب الأئمة الأربعة"؛ لأحمد الشرباصي، و"البداية والنهاية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت