الصفحة 34 من 112

ضرب الإمام مالك بن أنس

في ابتداء خلافة أبي جعفر المنصور حصلت فتنة في المدينة، فبعث إليها ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس ليسكن هيجتها ويجدِّد بيعة أهلها، فقدمها، وهو عازم على أخذ المخالفين بالشدة، وكان الإمام مالك بن أنس قد بلغ من العلم والوجاهة والنُّبْل ما أثار حفيظة ذوي الحسد وسعيهم للنيل منه.

فدسُّوا إلى جعفر بن سليمان مَن قال له: إن مالكًا يفتي الناس بأن أيمان البيعة لا تحل ولا تلزمهم؛ لمخالفتك واستكراهك إياهم عليها، وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين؛ لحديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرِهوا عليه ) ) [1] ، فعظُم ذلك على جعفر واشتدَّ عليه، وخاف أن ينحل عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة، فأراد أن يبطش به، فحذَّره بعض الناس من ذلك؛ نظرًا لمنزلة مالك عند أمير المؤمنين وكرامته عنده، فدسَّ إليه جعفر بعض مَن لم يكن مالك يخشى أن يؤتَى من قِبَلِه، فسأله عن الأيمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك، فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن سليمان قد جاءه لإحضاره لدى جعفر فأتوا به إليه بعد إهانته، فأمر به فضُرِب سبعين سوطًا سببت له آلامًا بليغة، حتى صار لا يقوى على رفع يديه في الصلاة ويسدِلها، ولما علم أبو جعفر بذلك أبدى استنكاره وعزل جعفر بن سليمان، وأمر أن يؤتَى به إلى بغداد على قتب، وولى مكانه رجلًا من قريش من بني مخزوم فيه عقل ودين وحزم وذكاء.

وكتب أبو جعفر إلى مالك بن أنس ليقدم عليه في بغداد فاعتذر مالك من ذلك، فكتب إليه أبو جعفر أن وافني بالموسم القابل - إن شاء لله - فإني خارج إلى الموسم.

وفي سنة ثلاث وستين ومائة التقى مالكٌ بأبي جعفر فأكرمه إكرامًا شديدًا وأجلسه إلى جانبه ملاصقًا له، واعتذر له عمَّا فعل به جعفر بن سليمان، وأقسم بالله أنه لم يأمر بذلك ولا رضيه، وأنه منذ أن بلغه ما صنعه جعفر عزله وأهانه، وسيعاقبه أضعاف ما نال مالكًا منه وقال أبو جعفر لمالك: يا أبا عبدالله لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، وقال مالك: إنه قد عفا عن جعفر؛ لقرابته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أمير المؤمنين، فقال أبو جعفر:

(1) أخرجه الطبراني عن ثوبان؛"كنز العمال"4/ 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت