فهرس الكتاب
عمرو بن عبيد
دخل عمرو بن عبيد على المنصور فأكرمه وعظَّمه وقرَّبه، وسأله عن أهله وعياله ثم قال له: عظني، فقرأ عليه سورة الفجر إلى قوله - تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14] ، فبكى المنصور بكاءً شديدًا حتى كأنه لم يسمع بهذه الآيات من قبل ذلك ثم قال: زدني، فقال: إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها فاشترِ نفسك ببعضها، وإن هذا الأمر كان لِمَن قبلك ثم صار إليك ثم هو صائر لِمَن بعدك، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة، فبكى المنصور أشدَّ من بكائه الأوَّل حتى اختلفت أجفانه، فقال له سليمان بن مجالد: رفقًا بأمير المؤمنين، فقال عمرو: وماذا على أمير المؤمنين أن يبكي من خشية الله - عزَّ وجلَّ؟! ثم أمر له المنصور بعشرة آلاف درهم فقال: لا حاجة لي فيها، فقال المنصور: والله لتأخذنها، فقال: والله لا آخذ منها، فقال له المهدي وهو جالس في سواده وسيفه إلى جانب أبيه: أيحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت إلى المنصور فقال: ومَن هذا؟ فقال: هو ابني محمد ووليُّ العهد من بعدي، فقال عمرو: إنك سميته اسمًا لم يستحقه لعمله، وألبسته لبوسًا ما هو لبوس الأبرار، ولقد مهَّدت له أمرًا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه، ثم التفت إلى المهدي فقال: يا ابن أخي إذا حلف أبوك وحلف عمك فلأَن يحنث أبوك أيسر من أن يحنث عمك؛ لأن أباك أقدر على الكفارة من عمك، ثم قال المنصور: يا أبا عثمان هل من حاجة؟ قال: نعم، قال: وما هي؟ قال: لا تبعث إليَّ حتى آتيك، ولا تعطني حتى أسألك، فقال المنصور: إذًا والله لا نلتقي، فقال عمرو: عن حاجتي سألتني، فودَّعه وانصرف، فلمَّا ولى أمدَّه بصره وهو يقول:
كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْدْ = كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْدْ
غَيْرُ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدْ