فهرس الكتاب
علماء أمام المهدي
قال سفيان الثوري: لما حجَّ المهدي قال: لا بُدَّ لي من سفيان فوضعوا لي الرصَد حول البيت فأخذوني بالليل، فلمَّا مثلت بين يديه أدناني ثم قال: لأيِّ شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه؟ فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال: لا أدري لي أمناء ووكلاء، قلت: فما عذرك غدًا إذا وقفت بين يدي الله - تعالى - فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما حجَّ قال لغلامه: كم أنفقت في سفرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارًا، قال: ويحك أجحفنا ببيت مال المسلمين [1] .
كان ابن أبي ذئب واسمه محمد بن عبدالرحمن بن المغيرة جالسًا في المسجد النبوي بالمدينة، فدخل أمير المؤمنين المهدي فلم يبقَ أحدٌ إلا قام، فلمَّا وصل ابن أبي ذئب قال له المسيب بن زهير: قُمْ، هذا أمير المؤمنين، فقال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال له المهدي: دعْه، فلقد قامت كل شعرة في رأسي [2] .
كان صالح بن بشر المري من الزهَّاد المعدودين، وكان يعظ ويحضر مجلسه سفيان الثوري وغيره من العلماء، وكان سفيان يقول: هذا نذير قوم، وقد استدعاه المهديُّ ليحضر عنده، فجاء إليه راكبًا على حمار، فدنا من بساط الخليفة وهو راكب، فأمر الخليفة ابنيه - وليي العهد من بعده: موسى الهادي، وهارون الرشيد - أن يقوما إليه لينزلاه عن دابته، فابتدراه فأنزلاه، فأقبل صالح على نفسه فقال: لقد خبت وخسرت إن أنا داهنت ولم أصدع بالحق في هذا اليوم وفي هذا المقام، ثم جلس إلى المهديِّ فوعظه موعظة بليغة حتى أبكاه، ثم قال له: اعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خصم مَن خالفه في أمته، ومَن كان محمد خصمه كان الله خصمه، فأعدَّ لمخاصمة الله ومخاصمة رسوله حججًا تضمن لك النجاة، وإلا فاستسلم للهلَكة، واعلم أن أبطأ الصَّرعَى نهضةً صريع هوى بدعته، واعلم أن الله قاهرٌ فوق عباده، وأن أثبت الناس قدمًا آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله، في كلام طويل.
(1) انظر: كتاب"سراج الملوك".
(2) "العلم والعلماء"ص95.