فهرس الكتاب
الفضيل بن عياض والرشيد
وقال الفضل بن الربيع: حج هارون الرشيد، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذ سمعت قرْع الباب فقلت: مَن هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعًا فإذا أنا به أمير المؤمنين، فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليَّ أتيتك فقال: ويحك، قد حاك في نفسي شيءٌ لا يخرجه إلا عالم انظر لي رجلًا أسأله؟ قلت: هاهنا سفيان بن عيينة قال: امضِ بنا إليه، فأتيناه فقرعت عليه الباب فقال: مَن هذا؟ فقلت: أجب أميرَ المؤمنين، فخرج مسرعًا، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليَّ أتيتك قال: جد لما جئنا له، فحادثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: يا عباس، اقضِ دينه، ثم انصرفنا فقال: ما أغنى عنِّي صاحبك شيئًا، فانظر لي رجلًا أسأله، فقلت: هاهنا عبدالرزاق بن همام، فأتيناه فقرعت عليه الباب فقال: مَن هذا؟ قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعًا فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليَّ أتيتك، فقال: جئنا لما جئنا له، فحادَثَه ساعة، ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، فقال: يا عباس، اقضِ دينه، ثم انصرفنا، فقال: ما أغنى عنِّي صاحبك شيئًا، فانظر لي رجلًا أسأله: فقلت: هاهنا الفضيل بن عياض قال: امضِ بنا إليه، فأتيناه وإذا هو قائم يصلي في غرفة يتلو آية من كتاب الله ويردِّدها، فقرعت الباب فقال: مَن هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله، أما عليك طاعة؟ فقال: أوليس قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( ليس للمؤمن أن يذلَّ نفسه ) ).
فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد كفي إليه فقال: أوَّاه من كفٍّ ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب الله - تعالى - قال: فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب نقيٍّ فقال: جُدْ لما جئنا له - يرحمك الله - قال: وفيمَ جئت حملت على نفسك، وجميع مَن معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم أن يحملوا عنك شقصًا من ذنب ما فعلوا، ولكان أشدهم حبًّا لك أشدهم هربًا منك، ثم قال: إن عمر بن عبدالعزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبدالله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتُلِيت بهذا البلاء فأشيروا عليَّ، فعدَّ الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبدالله: إن أردت النجاة غدًا من عذاب الله فصُمْ عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها الموت، وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة