الصفحة 42 من 112

من عذاب الله فليكن كبير المسلمين لك أبًا وأوسطهم عندك أخًا وأصغرهم ولدًا، فبرَّ أباك، وارحم أخاك، وتحنن على ولدك، وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة من عذاب الله غدًا فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئتَ متَّ، وإني لأقول لك هذا وإني لأخاف عليك أشدَّ الخوف يوم تزلُّ الأقدام، فهل معك - رحمك الله - مثل هؤلاء القوم مَن يأمرك بمثل هذا؟ فبكى هارون الرشيد بكاءً شديدًا حتى غشي عليه.

فقلت: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن أم الربيع، قتلته أنت وأصحابك وأرفق به أنا! ثم أفاق فقال: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملًا لعمر بن عبدالعزيز شكا إليه سهرًا فكتب إليه عمر بن عبدالعزيز: يا أخي، اذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبد، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائمًا ويقظان، وإياك أن تزلَّ قدمك عن هذا السبيل فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء منك، فلمَّا قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟ قال له: خلعت قلبي بكتابك لا وليت لك ولاية أبدًا حتى ألقى الله - تعالى.

فبكى هارون بكاءً شديدًا ثم قال: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه فقال: يا رسول الله أمِّرني على إمارة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: (( يا عباس يا عم النبي، نفس تحييها خيرٌ من إمارة لا تحصيها [1] ، إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل ) ).

فبكى هارون الرشيد بكاءً شديدًا ثم قال: زدني - يرحمك الله - قال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله - تعالى - عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَن أصبح لهم غاشًّا لم يرح رائحة الجنة ) ) [2] ، فبكى هارون بكاءً شديدًا، ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم يلهمني حجَّتي، قال: إنما أعني دين العباد، قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره فقال - تعالى:

(1) تقدم.

(2) تقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت