الصفحة 44 من 112

والفضيل والرشيد وابن السماك

قال الفضيل بن عياض لهارون الرشيد: إن الله لم يجعل أحدًا من هؤلاء فوقك في الدنيا، فاجهد نفسك أن لا يكون أحدٌ منهم فوقك في الآخرة، فاكدح لنفسك وأعملها في طاعة ربك.

وقال له ابن السماك: إن الله لم يجعل أحدًا فوقك، فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطْوَع إلى الله منك، فقال: لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة.

ودخل عليه ابن السماك يومًا فاستسقى الرشيد فأُتِي بقُلَّة فيها ماء مبرد فقال لابن السماك: عظني فقال: يا أمير المؤمنين، بكم كنت مشتريًا هذه الشربة لو مُنِعتها؟ فقال: بنصف ملكي، فقال: اشرب هنيئًا، فلما شرب قال: أرأيت لو مُنِعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك؟ فقال: بنصف ملكي الآخر، فقال: إن ملكًا قيمة نصفه شربة ماء وقيمة نصفه الآخر بَوْلة لخليق أن لا يُتنافَس فيه، فبكى هارون.

وقال له ابن السماك يومًا: إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله - عزَّ وجلَّ - والوقوف بين الجنة والنار حين يؤخذ بالكظم، وتزل القدم، ويقع الندم، فلا تقبل توبة، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال، فجعل الرشيد يبكي حتى علا صوته، فقال يحيى بن خالدة: يا ابن السماك، لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة، فقام فخرج من عنده وهو يبكي.

وقال له الفضيل بن عياض في كلام كثير ليلة وعظه بمكة: يا صبيح الوجه، إنك مسؤول عن هؤلاء كلهم وقد قال - تعالى: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} [البقرة: 166] ، قال: حدثنا ليث عن مجاهد: الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا، فبكى الرشيد حتى جعل يشهق.

ابن السماك يعظ الرشيد

دخل ابن السماك على هارون الرشيد فقال له: عظني، قال: يا أمير المؤمنين، إن الله لم يرضَ لخلافته في عباده غيرك فلا ترضَ من نفسك إلا بما رضي الله به عنك، فإنك ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت