الصفحة 50 من 112

شفقة ذلك الكافر على عباد الله وأنت مؤمن من أهل بيت النبوة، انظر كيف تريد أن تكون شفقتك على رعيتك [1] .

ولما حج هارون الرشيد بعث إلى مالك بن أنس بكيس فيه خمسمائة دينار، فلمَّا قضى نسكه وانصرف ودخل المدينة بعث إلى مالك بن أنس أن أمير المؤمنين يحبُّ أن تنتقل معه إلى مدينة السلام، فقال للرسول: قل له: إن الكيس بخاتمه وقال الرسول - عليه السَّلام - (( والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ) ).

وقال أبو العيناء محمد بن القاسم: حدثني ابن أبي البختري عن أبيه قال: كنَّا مع الرشيد في سفر له إلى الروم وقد تقدَّمت حمولة الثلج فاستسقى، فبعث الخيل في طلب الثلج فجعلت الخيل تحصف الجبل وقد اشتدَّ عطشه فقال: اسقني من ماء الرحل فلمَّا أقرَّه في فيه مجَّه، فقال له أبو البختري: يا أمير المؤمنين، قد كنت ألتمس موضعًا لوَعْظك فلا أجد وقد أمكنني الآن أفتأذن؟ قال: نعم، قال فقلت: يا أمير المؤمنين، لو شربت الحار والقار، ولبست الليِّن والخشن، وأكلت الطيب والخبيث، فإنك لا تدري ما يكون من تصرُّف الدهر، فانتفخ في ثوبه حتى ظننته سينحاز عنه ثم انحمص وعاد لونه وقال: يا أبا البختري، إنا نلبس هذه النعمة ما أعطتنا فإذا - وأعوذ بالله - فارقتنا رجعنا إلى عود غير خوار [2] .

قال الواقدي: دخلتُ على الخليفة المهدي بمحبرة ودفاتر وكتب عن أشياء أريد أن أحدثه بها، وبعد أن أذن لي بالجلوس نهض وقال: كن مكانك حتى أعود إليك، ودخل دار الحريم ثم خرج متجهِّما ممتلئًا غضبًا، فلما جلس قلت: يا أمير المؤمنين، خرجت على خلاف الحال التي دخلت، قال: نعم، دخلت على الخيزران فوثبت عليَّ ومدَّت يدها إليَّ، وخرقت ثوبي وقالت: يا قشَّاش، وأي خير رأيت منك، وإني اشتريتها من نخاس، ورأتْ منِّي ما رأتْ، وعقدتُ لابنيها بولاية العهد ثم تقول: يا قشاش، قلت: يا أمير المؤمنين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (( إنهن يغلبن الكرام ويغلبهن

(1) "التبر المسبوك في نصيحة الملوك": 20.

(2) "كتاب أخبار القضاة": جـ1، ص25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت