فهرس الكتاب
الفضيل: أنا آمرك أن ترفع يديك عمَّا فيها وتعود إلى خالقك وأنت تلقيه إليَّ، فلم يقبلها وخرج من عنده [1] .
يقال: إن شقيقًا البلخي دخل على هارون الرشيد فقال له: أنت شقيق الزاهد، فقال أنا شقيق ولست بزاهد، فقال له: أوصني، فقال: إن الله - تعالى - قد أجلسك مكان الصديق وإنه يطلب منك مثل صدقه، وإنه أعطاك موضع عمر بن الخطاب الفاروق وإنه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وأنه أقعدك موضع عثمان بن عفان ذي النورين وهو يطلب منك مثل حيائه وكرمه، وأعطاك موضع علي بن أبي طالب وهو يطلب منك العلم والعدل كما يطلب منه، فقال له: زدني من وصيتك فقال: نعم، اعلم أن لله - تعالى - دارًا تُعْرَف بجهنم، وأنه جعلك على أبواب تلك الدار وأعطاك ثلاثة أشياء: بيت المال، والسوط، والسيف، وأمرك أن تمنع الخلق من دخول النار بهذه الثلاثة، فمَن جاءك محتاجًا فلا تمنعه من بيت المال، ومَن خالف أمر ربه فأدِّبه بالسوط، ومَن قتل نفسًا بغير حق فاقتله بالسيف بإذن وليِّ المقتول، فإن لم تفعل ما أمرك فأنت الزعيم لأهل النار، والمتقدِّم إلى دار البوار، فقال له: زدني فقال: إنما مثَلك كمثل معين الماء، وسائر العلماء في العالم كمثل السواقي، فإذا كان المعين صافيًا لا يضرُّ كدر السواقي، وإذا كان المعين كدرًا لا ينفع صفاء السواقي [2] .
وحضر بعض الزهَّاد بين يدي خليفة فقال له: عظني، فقال: يا أمير المؤمنين، إني سافرت إلى الصين وكان ملك الصين قد أصابه الصمم وذهب سمعه، فسمعته يقول يومًا وهو يبكي: والله ما أبكي لزوال سمعي وإنما أبكي لمظلوم يقف ببابي يستغيث فلا أسمع استغاثته، ولكن الشكر لله إذ بصري سالم، وأمر مناديًا ينادي ألا كلُّ مَن كانت له ظلامة فليلبس ثوبًا أحمر، فكان يركب الفيل فكل مَن رأى عليه ثوبًا أحمر دعاه واستمع شكواه، وأنصفه من خصمائه، فانظر يا أمير المؤمنين إلى
(1) "التبر المسبوك في نصيحة الملوك"؛ لأبي حامد الغزالي ص19.
(2) "التبر المسبوك في نصيحة الملوك"؛ للغزالي ص 18.