الصفحة 48 من 112

وإن الله - تعالى - رفعك وجعلك في هذا الموضع بعملك، فلا تكن أنت أوَّل مَن يضيع عز العلم فيضيع الله عزَّك، فقام الرشيد يمشي مع مالك إلى منزله ليسمع منه"الموطأ"، فأجلسه معه على المنصَّة، فلمَّا أراد أن يقرأه على مالك قال له: تقرؤه عليَّ، قال: ما قرأته على أحد منذ زمان، قال: فيخرج الناس عنِّي حتى أقرأه أنا عليك، فقال: إن العلم إذا مُنِع من العامة لأجل الخاصة لم ينفع الله - تعالى - به الخاصة، فأمر معنَ بن عيسى القزاز ليقرأه عليه فلما بدا ليقرأه قال مالك لهارون: يا أمير المؤمنين، أدركت أهل العلم ببلدنا، وإنهم ليحبُّون التواضع للعلم، فنزل هارون عن المنصَّة وجلس بين يديه وسمعه [1] .

خرج هارون الرشيد والعباس ليلًا إلى زيارة الفضيل بن عياض، فلما وصلا إلى بابه وجداه يتلو هذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الآية [الجاثية: 21] ؛ ومعناها: أيظن الذين اكتسبوا الخطايا ويعملون الأعمال المذمومة أن نسوِّي بينهم في الآخرة وبين الذين يعملون الخيرات وهم مؤمنون؟ كلاَّ ساء ما يحكمون، فقال هارون: إن كنَّا جئنا للموعظة فكفى بهذه موعظة، ثم أمر العباس أن يطرق عليه الباب فطرق بابه، فقال: افتح الباب لأمير المؤمنين، فقال الفضيل: ما يصنع عندي أمير المؤمنين؟ فقال: أطع أمير المؤمنين وافتح الباب، وكان ليلًا والمصباح يتَّقد فأطفأه وفتح الباب، فدخل الرشيد وجعل يطوف بيده ليصافح بها الفضيل فلمَّا وقعت يده عليه قال: الويل لهذه اليد الناعمة إن لم تنجُ من العذاب في القيامة، ثم قال له: يا أمير المؤمنين، استعد لجواب الله - تعالى - فإنه يوقفك مع كل واحد مسلم على حدَة يطلب منك إنصافك إياه، فبكى هارون الرشيد بكاءً شديدًا وضمَّه إلى صدره فقال له العباس: مهلًا يا فضيل فقد قتلت أمير المؤمنين، فقال الفضيل: يا هامان، أنت وقومك أهلكتموه وتقول لي: مهلًا فقد قتلته! فقال الرشيد للعباس: ما جعلك هامان إلا وجعلني فرعون، ثم وضع الرشيد بين يديه ألف دينار وقال له: هذه من وجه حلال من صداق أمي وميراثها، فقال له

(1) "شذرات الذهب في أخبار من ذهب": جـ1، ص190 - 291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت