الصفحة 47 من 112

الرشيد والعلماء

بعث هارون الرشيد إلى مالك وقال له: يا أبا عبدالله، ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا"الموطأ"، فرد عليه مالك يقول: أعز الله أمير المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز، وإن أذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي.

فقال له هارون: صدقت، ثم قال لولديه: اخرجا إلى المسجد حتى تسمعا مع الناس، فقال مالك: بشريطة أن لا يتخطيا رقاب الناس، ويجلسا حيث ينتهي بهما المجلس، فحضرا على هذا الشرط.

ولما حج الرشيد وكان مالك حاجًّا في ذلك العام، أرسل إلى مالك يطلب منه أن يحمل إليه كتاب"الموطأ"حتى يسمعه منه، فأبى مالك ذلك، وطلب من الرشيد أن يسعى هو إلى العلم.

فقال الرشيد: والله لا نسمع إلا في بيتك.

وحدث عتيق بن يعقوب الزبيدي، قال: قدم هارون الرشيد المدينة وكان قد بلغه أن مالك بن أنس عنده"الموطأ"يقرؤه على الناس، فوجَّه إليه البرمكي فقال: أقرئه السلام وقل له يحمل إليَّ الكتاب ويقرؤه عليَّ، فأتاه البرمكي فقال: أقرئه السلام وقل له: إن العلم يؤتَى ولا يأتي، فأتاه البرمكي فأخبره وكان عنده أبو يوسف القاضي، فقال: يا أمير المؤمنين، يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك في أمر فخالفك، اعزم عليه، فبينما هو كذلك إذ دخل مالك فسلَّم وجلس فقال له الرشيد: يا ابن أبي عامر، أبعث إليك وتخالفني، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: كنت أكتب الوحي بين يدي رسول الله فقال: {لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 95] ، وابن أم مكتوم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إني رجل ضرير وقد أنزل الله عليك في فضل الجهاد ما قد علمت، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لا أدري ) )، وقلمي رطب ما جفَّ، ثم وقع فخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - على فخذي ثم أُغْمِي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم جلس النبي - صلى الله عليه وسلم: فقال: (( يا زيد، اكتب: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} ) )، ويا أمير المؤمنين حرف واحد بعث فيه جبريل والملائكة - عليهم السلام - من مسيرة خمسين ألف عام ألا ينبغي لي أن أعزه وأجله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت