فهرس الكتاب
منذر بن سعيد والخليفة عبدالرحمن الناصر
ومن أخبار القاضي منذر بن سعيد المحفوظة مع الخليفة عبدالرحمن بن محمد في إنكاره عليه الإسراف في البناء: أن الناصر كان قد اتَّخذ لسقف القبيبة - المصغَّرة الاسم للخصوصية - التي كانت مماثلة على الصرح الممرَّد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد مغشَّاة ذهبًا وفضة، أنفق عليها مالًا جسيمًا وفرقد سقفها بما يشتِّت الأبصار بأشعَّة أنوارها.
وجلس فيها يومًا إثر تمامها لأهل مملكته، فقال لقرابته منهم من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرًا بما صنعه من ذلك: هل رأيتم أو سمعتم ملكًا كان قبلي فعَل مثْل فعلي هذا أو قدر عليه؟ فقالوا: لا يا أمير المؤمنين، وإنك الواحد في شأنه كله، وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه قولهم وسرَّه، وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجمًا ناكس الرأس، فلمَّا أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهَّب واقتداره على إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان - لعنه الله - يبلغ منك هذا المبلغ، ولا أن تمكِّنه من قِبَلِك هذا التمكين مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضَّلك به على العالمين حتى ينزلك منازل الكافرين، قال: فانفعل عبدالرحمن لقوله وقال له: انظر ما تقول، وكيف أنزلتني منزلتهم؟ فقال له: نعم، أليس الله - تعالى - يقول: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف: 33] .
فوجم الخليفة وأطرق مليًّا ودموعه تتساقط خشوعًا لله - سبحانه - ثم أقبل على منذر وقال له: جزاك الله يا قاضي عنَّا وعن نفسك خيرًا وعن الدين والمسلمين أجل جزائه وكثر في الناس أمثالك، فالذي قلت هو الحق، وقام عن مجلسه ذلك وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قرمودها ترابًا على صفة غيرها [1] .
وكان الخليفة الناصر لدين الله كُلِّف بعمارة الأرض وإقامة معالمها، وتخليد الآثار الدالَّة على قوة الملك وعزة السلطان، فأفضى به البناء الذي شاع ذكره أن استفرغ وسعه في تنميقها وإتقان
(1) "تاريخ قضاة الأندلس": ص71 - 72.