فهرس الكتاب
قصورها وزخرفة مصانعها، فانهمَك في ذلك حتى عطَّل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتخذه ثلاث جمع متوالية، فأراد القاضي منذر أن يفضي بما تناوله من الموعظة بفصل الخطاب والحكمة والتذكرة بالإنابة والرجعة فأدخل في خطبته فصلًا مبتدئًا بقوله: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 128 - 135] ، ولا تقولوا: سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين، فمتاع الدنيا قليل والآخرة خير لِمَن اتقى، وهي دار القرار ومكان الجزاء.
ووصل ذلك بكلام جزْل وقول فصْل، ومضى في ذمِّ تشييد البنيان والاستغراق في زخرفته والإسراف في الإنفاق عليه، فجرى طلقًا، وانتزع فيه قوله - تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ} [التوبة: 109] إلى آخر الآية، وأتى بما يُشاكِل المعنى من التخويف بالموت والتحذير من فجاءته، والدعاء إلى الزهد في هذه الدار الفانية، والحض على اعتزالها والرفض لها، والندب إلى الإعراض عنها، والإقصار عن طلب اللذَّات ونهي النفوس عن اتباع هواها، فأسهب في ذلك كله وأضاف إليه من آي القرآن ما يطابقه، وجلب من الحديث والآثار ما يشاكله، حتى ادَّكر مَن حضر من الناس وخشعوا ورقوا، واعترفوا وبكوا، وضجوا ودعوا، وأعلنوا في التضرع إلى الله في التوبة والابتهال في المغفرة، وأخذ خليفتهم من ذلك بأوفر حظٍّ، وقد علم أنه المقصود به فبكى وندم على ما سلَف له، واستعاذ بالله من سخطه، إلا أنه وجد على منذر بن سعيد لغلظ ما تقرعه به، فشكا ذلك لولده الأمير الحكم بعد انصرافه وقال: والله لقد تعهَّدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري، فأسرف عليَّ وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعْظي فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني واستشاط غيظًا عليه، فأقسم أن لا يصلِّي خلفه صلاة الجمعة خاصَّة، فجعل يلتزم صلاتها وراء أحمد بن مطرف صاحب الصلاة بقرطبة ويجانب الصلاة بالزهراء، فقال له الحكم: فما الذي يمنعك من عزْل منذر عن الصلاة بك والاستبدال منه إذ كرهته؟ فزجره وانتهره وقال له: أمثل منذر بن سعيد في فضله وعلمه وخيره - لا أمَّ لك - يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الحق؟ هذا مما لا يكون، وإني لأستحي من الله أن لا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعًا مثل منذر في ورَعه وصدقه، ولكنه