الصفحة 55 من 112

الفرج بن كنانة والحكم بن هشام

كان الأمير الحكم بن هشام قد استخلص الفرج بن كنانة وولاَّه قضاء الجماعة بقرطبة.

وكان هو القاضي بها أيام الهرج المعروف بوقيعة الربض، ومما جرى له حينئذ أن بعض أصحاب الأمير الحكَم الذين أرسلهم على الناس تعلقوا بجار الفرج بن كنانة، اتهموه بالحركة في الصبح وتسوَّروا عليه، وصاح نساؤه فسمع القاضي الصراخ فقال: ما هذا؟ فقيل: جارك فلان تعلَّق به الحرس فأخرجوه ليقتل فبادر الخروج وكفَّ القوم عن جاره وقال لهم: إن جاري هذا بريء الساحة سليم الناحية وليس فيه شيءٌ مما تظنون.

فقال له رئيس الحرس المرسل معهم: ليس هذا من شأنك، فعليك بالنظر في أحباسك وحكومتك ودعْ ما لا يعنيك، فغضب الفرج عند ذلك ومشى إلى الأمير الحكَم فاستأذن عليه، فلمَّا دخل قال له بعد السلام: أيها الأمير، إن قريشًا حاربَت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وناصبته العداوة في الله - تعالى - ثم إنه صفح عنهم لما أظفره الله - تعالى - بهم وأحسن إليهم، وأنت أحق الناس بالاقتداء به؛ لقرابتك منه ومكانك من خلافته في عباد الله، ثم حكى له قصة جاره، وما عرض له في الدفاع عنه، فأمر بتخلية سبيله وبعقاب الناظر الذي عارض القاضي وعفا عند ذلك عن بقية أهل قرطبة، وبسط الأمان بجماعتهم وردهم إلى أوطانهم، وكان هذا القاضي فارسًا شجاعًا يقود الخيل ويتصرَّف للسلطان في الولايات، وكان له قدر جليل في الناس [1] .

(1) "تاريخ قضاة الأندلس": ص53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت