فهرس الكتاب
نصر بن ظريف وعبدالرحمن بن معاوية
ومن القضاة العادلين نصر بن ظريف اليحصبي كان قد ولي القضاء زمنًا وسار فيه أجمل سيرة، من ذلك هذه القضية:
فقد دخل حبيب القرشي على الأمير عبدالرحمن بن معاوية فشكى إليه القاضي، وذكر أنه يريد أن يسجِّل عليه في ضيعة قسيم فيها، وادَّعى عليه الاغتصاب لها ولاذَ بالأمير من إسراع القاضي إلى الحكْم عليه من غير تثبُّت، فأرسل الأمير إليه وكلمه في حبيب ونهاه عن العجلة عليه، فخرج ابن ظريف من يومه، وعمل بضدِّ ما أراد الأمير وأنفذ الحكم، وبلغ الخبر حبيبًا فدخل إلى الأمير ممتلئًا غيظًا، فذكر له ما عمله القاضي ووصفه بالاستخفاف بأمره والنقْض له وأغراه؛ فغضب الأمير على القاضي واستحضره فقال له: مَن أمرك على أن تنفذ حكمًا وقد أمرتك بتأخيره والأناة به؟ فقال له: قدمني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنما بعثه الله بالحق ليقضي به على القريب والبعيد والشريف والدنيء، وأنت أيها الأمير ما الذي حملك على أن تتحامل لبعض رعيتك على بعض، وأنت تجد مندوحة بأن ترضي من مالك مَن تُعْنَى به وتمدُّ الحق لأجله؟ فقال له: جزاك الله يا ابن ظريف خيرًا، وخرج القاضي فدعا بالقوم الذي صارت الضيعة إليهم بالاستحقاق، وكلَّمهم فوجدهم راضين ببيعها إن أجزل لهم الثمن، فعقد فيها البيع معهم وصارت إلى حبيب، فكان بعد ذلك يقول: جزى الله ابن ظريف عنَّا خيرًا، كانت بيدي ضيعة حرام فجعلها حلالًا.
وكان هذا القاضي من زهده وورعه إذا شُغِل عن القضاء يومًا واحدًا لم يأخذ لذلك اليوم أجرًا [1] .
(1) "تاريخ قضاة الأندلس": ص 44.