فهرس الكتاب
الطرطوشي والملك الأفضل
قال أبو بكر الطرطوشي في كتابه"سراج الملوك": فلما دخلت على ملك مصر وهو الأفضل بن أمير الجيوش، فقلت: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردَّ السلام على نحو ما سلَّمت ردًّا جميلًا، وأكرم إكرامًا جزيلًا، وأمرني بدخول مجلسه وأمرني بالجلوس فيه، فقلت: أيها الملك، أن الله - سبحانه وتعالى - قد أحلك محلاًّ عاليًا شامخًا، وأنزلك منزلًا شريفًا باذخًا، وملَّكك طائفة من ملكه وأشركك في حكمه ولم يرضَ أن يكون فوق أمرك، فلا ترضَ أن يكون أحدٌ أَوْلَى بالشكر منك، وإن الله - تعالى - قد ألزم الورى طاعتك فلا يكونن أحدٌ أطوع لله منك، وإن الله - تعالى - أمر عباده بالشكر وليس الشكر باللسان ولكنه بالفعال والإحسان قال - تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ: 13] ، واعلم أن هذا المُلْك الذي أصبحت فيه إنما صار إليك بموت مَن كان قبلك، وهو خارج عن يدك مثل ما صار إليك، فاتقِ الله فيما خوَّلك من هذه الأمة؛ فإن الله سائلك عن النقير والقطمير والفتيل؛ قال الله - تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93] ، وقال - تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .
واعلم أيها الملك أن الله - تعالى - قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها سليمانَ بن داود - عليهما السلام - فسخَّر له الإنس والجن والشياطين والوحش والبهائم، وسخَّر له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع فقال له: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39] ، فوالله ما عدَّها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن تكون استدراجًا من الله - تعالى - ومكرًا به فقال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، فافتح الباب، وسهِّل الحجاب، وانصر المظلوم، أعانك الله على ما قلَّدك، وجعلك كهفًا للمهلوف وأمانًا للخائف.
ثم أتممت المجلس بأن قلت: قد دوَّخت البلاد شرقًا وغربًا فما اخترت مملكة تزوَّجت فيها وولد لي غير هذه المملكة، ثم أنشدت شعرًا:
وَالنَّاسُ أَكْيَسُ مِنْ أَنْ يَحْمَدُوا رَجُلًا = حَتَّى يَرَوْا عِنْدَهُ آثَارَ إِحْسَانِ